رجل آثم (3)
واستكملَ الأبُ المكلومُ حديثَهُ قائلاً:
وهكذا تمَّتْ الوفاةُ بلا فضيحةٍ وأنعمَ اللّٰه علينا بالسَتْرِ في اللحظةِ الأخيرة.. وواريْنا الجُثّةَ التُراب.. وتلقيْتُ التعزيات وأنا بادي الهدوء، ظاهر الصبر.. ثم عُدتُ أخيراً إلى البيْت وقلبي يغلي بالثوْرة ويصطخبُ بالحِقد.. كيْفَ حدثَ ما حدث؟ مَن المسئول؟.. وأمسكتُ بأم أحمد أستجوِبُها وأُضيِّقُ عليها الخِناق.. حتى بدأتْ تُفضي إليَّ بالحقيقة.. وأنبأتْني أنها لاحظتْ علاماتِ الهَمِّ والقلق باديةً على الفتاة، وأنها أقبلتْ عليها ذاتَ يوْمٍ فأنبأتْها أنها تشعُرُ بغثيانٍ وميْلٍ إلى القيء، وفَزَعَتْ المرأة.. فقد أدركتْ أن ما بالفتاة علاماتِ حَمْل، وكانت تُحبٌّها كإبنتها.. فحاولتْ أن تستدرجَها لتعلمَ منها الحقيقةَ الواقِعة.. ولكن الفتاةَ رفضتْ وقالتْ إن أمرَها لوْ افتُضِحَ فستلجأُ إلى الانتحار.. ولم يكُن هناك بُدٌ من إنزالِ الحمل، وأخذتْ المرأةُ والفتاةُ يتدبَّران الأمر معاً فأنبأتْها الفتاة أنها تعرفُ طبيبَ ولادةٍ كان دائماً يُحاوِلُ مُغازلتَها وهي تُمعِنُ في صدِّه، وهيَ لا تشُكُّ في أنها لوْ ذهبتْ إليه فسيُنقِذُها ممّا بها ويتستَّرُ عليها.. وفعلاً ذهبتْ الفتاةُ والمرأةُ إلى الطبيبِ في بيْتِه مُبالَغةً في التستُّر.. والتقتْ الفتاةُ بالطبيب، فأدهشَهُ أن تحضرَ إليه في داره وهيَ التي طالما أعرضتْ عنه وصَدَّتْه.. وكانَ من العسير عليها - وهيَ المُتكبِّرةُ المُعتزّةُ بنفسها - أن تعترفَ بزلَّتِها لهذا الذي طالما احتقرتْهُ وترفَّعتْ عنه، وأن تسألَهُ المعونةَ والإنقاذ.. وجلستْ في كبرياءٍ وأَنَفةٍ تُنبِّئُه أنها تحس بغثيانٍ وميْلٍ إلى القيء، ودُهِشَ الرجُلُ من قوْلِها واستطاعَ بنظرةٍ فاحصةٍ أن يفهمَ فيم مجيئها له وأن يُدرِكَ مدى حاجتها إليه.. فصمَّمَ على إذلالِها وعزمَ على أن يأخُذَ الثمن.. وبمُنتهى البرودِ دار بيْنهما هذا الحوار:
- هذه أعراضُ حَمْل؟
- أجل.
- إذن فأنتِ حامل؟
- أجل.
- وكُنتِ تصُدينني وتدَّعينَ الشرف والكبرياء والعِفّة!
- وما زِلت.. بالنسبةِ لك.
- إذن لِمَ أتيْتِ لي؟
- لتُجري لي العمليّة.
- عمليّة الإجهاض؟
- أجل.
- ولكنها عمليّةٌ يُحَرِّمُها القانون.. أتعرفين؟
- لا داعي لهذا اللَّفِ والدَوَران.. أتُريدُ أن تُجريها أم لا؟
- تماماً كالشَحّاذ الذي يقول: "حسنةٌ وأنا سيّدُك".. إنني على استعدادٍ لأن أهبُكِ حسنةً على أن أكونَ أنا سيّدَكِ وعلى أن أُرغِمَ أنفَكِ الأشَم (المُتعالي).
- سأدفعُ لك ثمنَ العملية.
- أُريدُ الثمن الذي أُحدِّدهُ أنا.
- ماذا تعني؟
- لا أظُنُّكِ تبخلين على مُنقِذِكِ من مصيبتِكِ بما منحتيه للذي وَهَبَكِ تلك المُصيبة.. أم تُراني طلبتُ شيْئاً كثيراً!.. إن الجزاءَ من جِنسِ العَمل.. ولا أظُننا سنحتاجُ إلى إجراءِ عمليّةٍ أُخرى.
وانتهى حوارهما بمُنتهي الإذلال لابنتي.. فلم تستطِع أن تحتملَ أقوال النَذْل، فرفعت كفَّها وهوَتْ عليه بصَفعةٍ شديدةٍ ثم غادرت الدار.. ولم يكُن هُناك وَسيلةٌ بعد هذا سوى الالتجاء إلى القابلةِ التي تعرفُها أم أحمد، وهُناك كانتْ الخاتمة.
وصَمَتَ الرجُلُ بُرهةً، ثم عاد يتحسَّسُ المُسدَّسَ في جيْبِهِ وأردفَّ قائلاً:
ولقد صمَّمتُ على أن أنتقِم.. ولن أستريحَ حتى أقتُلَهُما: الآثِمَ الأوّلَ والآثمَ الثانى.. أمّا الأوَل فإنني لم أعرفْ عنه شيْئاً بعد، ولكن أغلبَ الظنِّ أن المرأةَ العجوزَ تعرفُه ولكنها تُصِرُّ على إنكارِها معرفته، وإني أعتقدُ أنني ببعض الضغطِ أستطيعُ أن أعرفَهُ منها.
والثانى؟
الطبيبُ النذلُ المُجرِم.. الذي لوْلاهُ لَما ذهبتْ إلى القابلةِ (الداية) ولا سُفِكَ دمُها في الأزِقّة النَتِنة العَفِنة.
هل عرفتَه؟
أجل.. لقد وصفَتْه لي العجوزُ جيّداً حتّى انطبعَتْ صورتُه في ذِهني، وحتى بِتُّ استطيعُ تمييزه بين آلاف الوجوه.. سألتقي به عاجلاً أو آجلاً.. وسأضِعُ فُوَّهةَ المُسدَّسِ على جسده.. هكذا.. ثم أُطلِق.. لا تخشَ شيْئاً لقد قُلتُ لك أن سُقاطةَ الأمانِ في مَحَلِّها.
وعادَ الرجُلُ يضِعُ فُوَّهةَ المُسدَّسِ على معدتي.. ورغم أنه أخبرني أن سُقاطة الأمان في محلِّها فلم أستطِعْ أن أمنعَ رجفةً سَرَتْ في جَسدى.. لقد باتت حياتي مُعلَّقةً بسُقاطةِ الأمان.
أن الرجُلَ مجنونٌ ما في ذلك شَك.. وأغلبُ الظَنِّ أن قِصّتَهُ كلها من بناتِ الأوْهام.. واستطرد الرجل قائلاً:
إني أعرفُ أوْصافَه جيّداً.. إنه مُتوسِّطُ القامة.
ورأيْتُ نفسي دونَ أن أدري أُحدِقُ في المرآة المُواجِهة خشيةَ أن تنطَبِقُ أوْصافُ الرجل عليَّ فتكونُ الكارثة.. وعاد الرجل يُتَمِّمُ أوْصافَه قائلاً:
مُتوسِّطُ القامة.. أحمرُ الشَعْر.. بوجهِه كثيرٌ من النَمَش، وبصَدغِه الأيمن أثرُ جُرحٍ طويل.
وحمدتُ اللّٰهَ أنني لم أجِد بشعري حُمرةً ولا بوجهي نَمَشاً ولا بصَدغي أثرَ جرح.. ولكن لدهشتي الشديدة وجدتُ الوجهَ المَوْصوفَ لا يبعُدُ كثيراً عن وجهي الذي أُبصِرُه في المرآة.. أجل.. لقد كانَ هو نفسُه أحدَ الرجُليْن الجالِسيْن في مواجهتِنا.. ورأيْتُ جِفنيْه يرتجِفان.. ولم أشُكْ في أنه كان يسمعُ كل ما دار بيْننا من حديث.. وفتحَ عيْنيْه فالتقتا بعيْني الرجل صاحب المسدس ورانَ (غطّى) الصمتُ لبضِع لحظات.. وتوقَّعتُ أن ينطلِقَ المُسدَّس.. وأخذتُ أنتظرُ الدَوي.. ولكن حدثَ في لمحِ البصر، وقبلَ أن ينطلِقَ المسدس أن أبصرتُ الرجل ذو الشعر الأحمر ينهضُ بسُرعة ثم يقفزُ من نافذة القِطار وتطويه الظُلُمات المُدلَهِمّة.. ورأيتُ صاحبَ المسدس ينظرُ إلى النافذةِ ثم يتنفَّسُ الصُعداءَ ويقول:
هذا واحد.. الحمد لله لقد وفَّرَ عليَّ مشقّةَ إطلاق الرصاص.. لا بُدَّ أن عِظامَه الآن تتهشَّمُ وتتفتَّت.
ولأوّلِ مرّةٍ أُبصِرُ الرجُلَ الرابعَ الذي كان يجلسُ في مُواجهتي يفتحُ عْينيْه ويقولُ بهدوءٍ وسُخرية:
تتهشَّمُ وتتفتَّت أيُّها الأحمق!.. إن القطارَ يسيرُ ببُطء.. أنه لا شَك يقِفُ الآنَ سليماً مُعافى.. اقفِزْ وراءَه وأردِهِ قتيلاً.. لا تدَعْ فُرصةَ العُمر تفلتُ منك.
وفي ثانيةٍ أُخرى أبصرتُ صاحبَ المسدس يقفزُ إلى النافذةِ ثم يقذفُ منها نفسه صائحاً:
أجل.. أجل.. معك حق.. لا بُدَّ أن أُجهِزَ عليه.
ورانَ الصمتُ ثانيةً، ثم سمعتُ الرجلَ الرابعَ يتنفَّسُ الصُعداء ويقول:
الحمدُ لله على أنه لا يعرفُ أوْصافَ الآثمُ الأوّل.. لقد كان لا بُد من ذهابه.. وإلّا مَن يدري فقد تُنبِّئُه عجوزُ النَحس بها.. وتكونُ الطامّةُ الكُبرى.. الحمدُ لله.
ثم أغمضَ عيْنيْه وعاودَ سُباتَه العَميق.. وهززتُ رأسي في دَهشٍ وساءلتُ نفسي:
أهكذا دائماً ينجو الآثمُ الأوّل؟!
