رجل مخدوع (2)
ولكن
الصبيَ لم يَقنَعْ بالإياب، فقد كان بنَفسِه لهفةٌ إلى الغنيمة، إذ وجدَ في الورود
خيْرَ وسيلةٍ يتقرَّبُ بها إلى تلك الصبيّةِ الفاتِنةِ التي قطنتْ (سَكَنَتْ)
حديثاً في الدوْرِ الأسفل، وعاد الصبيُّ إلى داره وقد أخذ يُحكِمُ وَضْعَ الخُططِ في
رأسه، وكانَ أوّلُ ما أنبأَ به أهلَه هو أنه سيعودُ إلى المدرسة لأن لديْهم حفلةً في
هذا المَساء، ولم يكَد الظلام يُخيِّمُ حتى انطلقَ من الدار إلى حيْثُ الغنيمة.. واقتربَ
من السور فلمحَ الحارسَ قابِعاً في مكانه، فاستمرَّ في سيْره حتى وصلَ إلى حجرٍ قِبالةَ
الدار فجلسَ عليه يرقُبُ غَفْلةً من الحارس، ولم يُطُل به الانتظار فقد أبصره يُغادر
مكانه.. ووجدَ الصبي الفُرصة قد سنحت أخيراً، فقفزَ من مكانه ودلفَ من الباب مُستَرِقاً
الخُطا، وأخذ يتسلَّلُ في الحديقة حتى وصلَ إلى الورود.. وكان القمرُ قد غمرَ المكان
بضوئه فلم يجِد صعوبةً في العُثور عليها، وأخذ يقطفها الواحدةَ تِلو الأُخرى، حتّى
أحسَّ فجأةً بحركةٍ بجواره فأصابه فزعٌ شديد وتلفَّتَ حوْله إلى مصدر الصوْت، فتصبَّبَ
العرقُ بارداً من جبينه، وأحسَّ بارتباكٍ شديد.. ويحه!.. لقد كانَ هُناك مَن يرقُبه
مُنذُ أن بدأَ سِرقته، لقد أبصرَ وجهاً ساحراً افترَّ عن ابتسامةٍ عَذْبةٍ فاتِنة،
وبعيْنيْن ضاحكتيْن قد أخذتا ترقُبانه في لينٍ ودَعَة (سكون)، وقد اضطجعتْ صاحبتُها
فوْقَ الحشائشَ الخضراءِ مُتَّخِذةً من ذِراعيْها العاريَتيْن مُتَّكأً (مسنداً)
تسندُ إليه رأسَها وشعرَها الفاحِم.
واضطربَ
الصَبي، ولكن ابتسامةَ الفتاة أعادت إلى نَفسه الطمأنينة، فأبعدَ عن نفسه فِكرةَ
الفرار، إذ كَرِهَ أن يبدو أمامها بمظهر اللِّص الرعديد (الجبان)، وأخذَ يُجهدُ
رأسَه في عُذرٍ ينتحِله أمامَها كي يُبرِّرَ به موْقِفه.. وأشار لها بتحيّةٍ خفيفةٍ من يَدِه، فنهضتْ مُتَّكِئةً
على إحدى يَديْها وردَّتْ عليه التحيّة، وتكلَّم هوَ بصوْتٍ هادىءٍ مُتَّزِن
فرجاها أن تُنبئ (تُخبِر) البوّاب بأنه قد قطفَ الورود التي طلبها عبد الرحيم بك،
وأنه يحملها إليه بنَفسه، ثم أعطاها ظهره وانساب إلى الباب في هدوءٍ وسكون.. ولم
يكد يبتعدُ قليلاً ويختفي عن ناظِرها حتى أطلقَ ساقيْه للريح.
وباتَ
ليْلته يحلُم بذلك الوجه الباسِم الذي اضطجعَ على أرض الحديقة والذي ضبطته صاحبته
مُتلبِّساً بجريمة السَرِقة، واستيْقظَ في الصباح فوجدَ الوجهَ ما زال يشغَلُه في يقظته
كما شغلَه في نوْمه.
وذهبَ
إلى المدرسة.. وتتابعت عليه الدُروس.. وهو لا يفهمُ كلمةً ممّا يُقال.. فقد كان ذِهنه
شارِداً في عالَمٍ آخر.. وكانت عيْناه لا تُبصران سوى صورة الفتاة راقدةً تبتسمُ
له.. وانتهتْ
الدِراسة فتعمَّدَ أن يتأخَّرَ عن رِفاقه.. حتى يعودَ لبيْته وحيداً فقد كانت
بنفسه لهفةٌ إلى أن يراها مرْةً أُخرى ولكنه لم يلمحْ لها شبحاً في الحديقةِ أو في
الدار.
ومرّت
الأيّام وصورة الفتاة قد شغلتْه عن كل شيء.. حتى عن تقديم الورود إلى صاحبته التي قطفها من أجلها..
وحاول جهده أن يُبصِرَها مرّةً ثانية.. ولكن الفشل كانَ نصيبه حتى باتَ يخشى أن تكونَ
الفتاةُ طَيْفاً صَوَّرتْه له الأوْهام في تلك الليْلة.
وأخيراً..
رآها.. على غيْر ترقُّبٍ منه أو انتظار.. وأحسَّ بارتباكٍ شديد.. وحاولَ أن يستعيدَ
لنفسِه تلك الأحاديثِ التي كان يُعِّدُها ليُلقيها إليها في أوّلِ لقاء.. ولكن كُلَّ
شيءٍ كان قد تطاير من رأسه.. وأحس بأنفاسه تتلاحق وخُيِّلَ إليه أنه قد باتَ يسمعُ
دَقّاتِ قلبه.
وأخذتْ
الفتاة في الاقتراب منه وقد تأبَّطت ذِراعَ صديقةٍ لها.. وحاولَ هوَ أن يقولَ شيْئاً.. ولكنه لم يتذكَّرْ
أيَّ شيء.. لقد كان عاجزاً عن التفكير.. عاجزاً عن الكلام.. حتى لكأنه أمامِ لجنة
امتحانِ الشَفوي.
وأبصرتْه
الفتاة فبدا عليها أنها قد تذكَّرته، فقد نظرتْ إليه في شيءٍ من الدهشة، ثم وجَّهتْ
الحديثَ إلى صاحبتها ضاحكة.. واستطاعَ
أن يسمعَ من حديثِها كلمتيْن هُما: "حرامي الوَرد".
إذن
لقد اكتشفتْ الفتاةُ حقيقتَه!.. ولكنه
لم يشعُرْ بخجلٍ من تلك الكلمة بل على النقيض لقد أحسَّ بفرحةٍ شديدة.. فقد تبيَّنَ
أنها على الأقل ما زالت تذكُرُه.. وكأن لسان حاله يكادُ يقول:
لئِن
ساءني أن نِلتِني بمذَمّةٍ
فقد
سَرَّني أني خطرت ببالِكِ
لقد
عادَ الفتى إلى داره وهو يحس بسعادةٍ لا توصَف.. لقد عرفتْه الفتاة، وكان ذلك أكثر
ممّا يتوقَّعُ ويتمنّى.
