خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | رجل مخدوع (1)


كاتب يجلس على مكتبه وأمام مكتبته ويقلب بين يديه صوراً وأوراقاً

رجل مخدوع (1)

 

 

سقى اللّٰه الحُب ورعاه.. فقد أضحى له في نَفسي مَنزِلتان: الأولى كشيءٍ مُمتِعٍ يملؤني بالسعادة عندما يغمُرُني كما يغمُرُ كل إنسان.. والثانية كموْرد رزقٍ أعيش منه ككاتب قِصّةٍ أحترفُ الكِتابة.

أجل.. إني أستفيدُ من الحُب مرّتيْن: مرّةً عند التَمَتُّع به كحقيقةٍ واقِعة.. ومرّةً عند الكتابة عنه كذكرياتٍ عابرة.. ففي الأولي أستفيدُ مُتعة الحُب، وفي الثانية أستفيدُ لذّة الكَسْب.

إني لأعترفُ أنني كثيراً ما أُصابُ بتبلُّدٍ ذِهنيٍ أشعُرُ معه برغبةٍ عن الكتابة.. وأحسُّ بالقلمِ في يَدي ثقيلاً مِكسالاً بطىءَ الحركة كأنه السُلحفاة.. واقِفاً في مكانه وَقْفةَ شَتْرِبة (الثور "شتربة" في كتاب "كليلة ودِمنة" الذي توقَّف وشُل تفكيره عندما أدرك مُتأخِّراً أنه وقعَ في فخٍّ أعدّهُ له الثعلبُ "دمنة" مما أدّى إلى هلاكه).. وتمُرُّ بي الأيَام وأنا مُضرِبٌ عن الكتابة وقلمي مُعْرِضٌ (مُنصرِفٌ) عني حتّى يقتربَ موْعدُ القِصّة.. فلا تُصبِحُ المسألةُ مسألةَ "كيف" بل مسألةَ "واجبٍ" لا بُدَّ من تأديته.

ويضيقُ بي الحال.. فألجأُ إلى الحُبِّ وذِكرياتٍ أستثيرُها في نَفسي.. وأوقِظُها من هَجعتها (نومها).. وأستاقها (أسوقُها عنوةً) كي تستحِثُ القلمَ المُضْرِبَ المُعرِض.. فإذا بها تفعلُ بي وبه فِعلَ السِحْر.. وإذا بالقلمِ المُتخاذِلِ قد اندفعَ على الورق كأنه فرسُ رهان.

وقُبيْل أن أبدأَ قِصّتي هذه.. أحسستُ بذِهني ذلك التبلًّد والركود.. وأمسكتُ ببضعةِ صُوَرٍ لفتاةٍ أعطانيها صاحبٌ فنان علَّها تصلحُ لبعض القِصص.. وأخذتُ أُقلِّبُ فيها البصر.. ولم أكُن أعرفُ مَن تكونُ الفتاة.. فما رأيْتُها من قبل.. وكل ما أعرفه عنها أنها حسناءٌ حاولَ أن يتخِذَ منها المُصوِّرُ نُموذجاً لفنّه.. ورأيْتُني أتوقَّفُ عند إحدى الصور لأُمعِنَ البصرَ فيها قليلاً.. ورأيْتُ الذِهن يصحو من غفوته ثم يعودُ بي القَهقَرى (الوراء) إلى زمنٍ ولَّى.. حتى يقفَ أمامَ صورةٍ من صور الماضي.. ما أشبهُها بهذه الصورة المُلقاة - أو المُستلقية - أمامي.. لا فرقَ بيْن إحداهما والأُخرى.. إلّا أن الأولي من دمٍ ولحم، والثانية لا تعدو ظِلالاً على ورق.. الأولى صادقتُها مُنذُ خمسة عشر عاماً فكانت لي - في فترةٍ ما - كل شيء.. كانت الروح، وكانت الحياة.. والثانية أُقلِّبُها الآنَ بيْنَ يَديَّ فلا أجدُ فيها أكثرَ من صورة، أتصيَّدُ بها ذِكرياتٍ عابرة.. ذكرياتٍ هي كما قالَ الأستاذ الشِنّاوى (الشاعر والأديب صاحب الخطايا): "شَيَّبتني.. شَيَّبتْ حتى صِبايا".

*****

تبدأُ القِصّةُ في المدرسة الثانويّة الملكيّة (الخديوى اسماعيل الآن ).. مُنذُ خمسة عشر عاماً أي في حوالى عام ١٩٣٢ وقد جلسَ الصِبية في أحد فصول السنة الثالثة.. بيْنما أوْشكَ الجرسُ أن يُعلِنَ عن انتهاءِ الحِصّةِ الأخيرة.. وبدا الصِبيةُ قلِقين مُتلهفين على الانطلاق من الحُجرة كأنهم أسرى طال بهم الشوْق إلى أوْطانهم، وقد جهَّزوا كُتبَهم ووضعوها بجوارهم على المقاعد، حتى لا يُضيِّعوا لحظةً واحدةً في الفصل بعد أن يُقرَع الجرس.

قُرِعَ الجَرَس.. وهبَّت المدرسةُ كُلُّها في هَرجٍ وطنينٍ كأنها خليةُ نحل.. وتكأكأَ (تزاحَمَ) الصِبيةُ على الباب يتسابقون إلى الخروج كأن بداخل المدرسةِ مَن يسوقهم بالسياط أو كأنما ينتظرهم خارجها كنزٌ أو وَليمة.. فلا يكادون ينفذون من الباب حتى يتفرَّقوا شيَعاً وأفواجاً، فالبعض إلى ميْدان لاظوغلى، والبعض إلى شارع خيْرَت، والبعض إلى ميْدان السيّدة أو المُنيرة.

ودَلِفَتْ (دخلت) ثُلّةٌ صغيرةٌ في شارعٍ خلفَ المدرسة في تلك الجِهة المعروفة باسم «جنينة رشيد»، وسار الصبي بيْنهم وقد انزلقَ طربوشُه على مؤخرة رأسه وأخذ يُطوِّحُ بحقيبته في يده ويقذفُ بقدمه كل حصاةٍ أو حجرٍ يُصادِفه، حتى بدا طرفُ حذائه من فرط اصطدامه بالحجارة حائلَ اللوْن أجرب.

وتوقَّف الصِبيةُ أمامَ سورٍ حديديٍّ لدارٍ فخمة، وأخذوا يُطِلّون من خلال السور على الحديقة الغَنّاء.. فقد أثار إعجابَهم بعضُ الورود المُتفتِّحة اليانعة، وأخذوا يتآمرون على قَطْفِها، وهَمّوا فِعلاً بالتسلُّلِ إلى الداخل، ولكنهم لمحوا الحارسَ قد أقبَل، فلم يسَعهم إلّا أن يولّوا فراراً قانعين من الغنيمة بالإياب.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX