خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | رجل مخدوع (3)


فتى صغير يرتدي بدلة وطربوشاً يسير من أمام بيت حبيبته عله يلقاها

رجل مخدوع (3)

 

 

ولاحظَ أهلُ الفَتى ورِفاقُه ذلك التبدُّلَ الذي طَرأَ عليه وذلك التحوُّلَ العجيبَ الذي بدا في مسلكه وتصرُّفاته.. فقد انقلب فجأةً من صبيٍّ عابِثٍ إلى فتىً رزينٍ مُتَّئِد (مُتعَقِّل).. وكان طربوشُه وحذاؤه أوّلَ ما تناوله ذلك التبدُّل والتغيير.. أمّا الطربوشُ فقد أقلعَ عن الانزلاقِ على مؤخِّرةِ رأسِه.. وبدأَ يستقرُّ في ميْلٍ شديدٍ على أحد حاجبيْه.. وأمّا الحذاءُ فقد كفَّ تماماً عن قذفِ الحصى والحجارة وعادَ إليه لونُه ولمعانُه وأحسَّ بأن صاحبَه قد أضحى "بني آدم"، وليس عِفريتاً من الجِن أو شيْطاناً من الشياطين.

لقد ذاقَ الصَبي - أو على الأصح الفَتى - أوّلَ رَشفةٍ من رشفات الحُب.. وهبَّتْ عليه أوّلُ نسمةٍ من نسماته.. ولا أظُنُّ أن هناك إمرأً إلّا ويذكُرُ نفسَه في تلك المرحلةِ التي أخذَ يجتازها الفتى.. وأعني بها مرحلة الحُب الأوّل، بيْنما لم يزِل بعد في طوْرِ النُضج.. حينَ ينظُرُ إليه الناس في سُخريةٍ واستهزاءٍ إذ لا يرون فيه غيْرَ غِرٍّ حَدَثٍ وطفلٍ ساذَج.. ويُبادِلهم هوَ نفسَ النظرة.. فهو يرى فيهم حَمقى لا يستطيعون أن يفهموه.. لأن مَدارِكَهم أعجزُ من أن تصلَ إلى ذلك الشعور الذي يحس به، وأبصارَهم أقصرُ من أن تُبصِرَ ذلك العالَمَ المُضيءَ الذي يُحيطُ به، وهكذا يرى الإنسانُ نفسَه بمَعزَلٍ عن الناس.. هوَ لا يفهمُهم وهم لا يفهمُونه.. هوَ في واديه يَهيمُ وهم في واديهم يَهيمون.

ومن العبثِ أن أُحاوِلَ وَصفَ أحوالِ الفَتى في حُبه الأوّل، أو تحليلَ مشاعرِه واحساساتِه.. أو أن أسردَ مُحاولاته مع الفتاة لكي يفوزَ منها بكلمةٍ أو بنظرة، لا سيَّما أن الفتى - رغم تلك الجسارة والجَرأة التي كان يظهرُ بها بين رِفاقه - كان في حُبه من نوْعٍ انطوائي، يُحيطُ نفسَه بسياجٍ منيعٍ من الخجلِ والحَياء.. ولكني أستطيعُ أن أُعطيَ صورةً واضحةً للقارئِ إذا ما قُلتُ أن الفَتى قد مرّتْ به سنتان منذُ أن بدأَ حُبه للفتاة، وهو يحومُ حوْلَ الدار، علّه يلمحُها في نافذةٍ أو في شُرفةٍ أو يجدها خارجةً فيتبعُها من بُعد كالكلب الأمين، ثم يعودُ إلى داره، فينهمِكُ في قِراءةِ قِصصِ الغَرامِ كـ"ماجدولين" وأمثالها.. ثم يأخذُ في كتابة رسائل الحُب التي يسكُبُ فيها عُصارة ذِهنه وقلبه، وهو حائرُ الفِكْرِ لا يستطيعُ أن يعرفَ موْقِفه عند صاحبته، ولا يدري إن كانت تُحِبُّه أو لا تحبه.. لأن أحوالَها معه غيرُ مفهومة، وتصرُّفاتِها معه مُتناقِضةٌ مُتباينة، فهي تبتسمُ له مرّةً وتكفهِرُّ أحياناً.. وهو لا يستطيعُ أن يسألَها هل تُحِبُّه، أو هل تفهمُ معنى الحُب، لأنه لا يدري كيْفَ السبيلُ إليها، فلا يجد خيْراً من الوَرَقِ مَلجأً يُنَفِّسُ عنه كُربَته.. ويقذِفُ فيه بما يجيشُ به فُؤاده.

وإليكم بعضُ ما كان يكتُبه الفَتى وهوَ في غَمرةِ حُبه.. ففي كلماته خيْرُ تصويرٍ لنفسِه:

"ليْتني أستطيعُ أن أُنفَذَ إلى رأسِك أو إلى قلبك.. ليْتني أستطيعُ أن أُبدِّدَ ظُلُماتِ الشكِّ والحيرةِ التي تكتنفُني من كل جانب.. ليتني أعرفُ فقط أنكِ تُحبِّينني.. أنا لا أُريدُ أكثرَ من ذلك.. أُريدُ أن أشعُرَ بلذّةِ اليَقين والاستقرار.. آهٍ لو أعرفُ أنكِ تُحبينني!.. ولكن هل تعرفين أنتِ ما هوَ الحُب؟!.. مَن يدري رُبَّما كُنتِ لا تعرفينه.. وربما كنتِ تُحبينني دونَ أن تعرفي أن هذا هوَ الحُب.. دَعيني أشرحُ لكِ الحُبَّ كما أحسُّ به.. لا كما قرأتُه أو سمعتُ عنه.. وسأشرحه لكِ في أبسط الألفاظِ وبأقصرِ الطُرُق.

معنى أني أحبك.. هو أن رأسي مليءٌ بكِ.. حتى لكأن ذلك الشيءَ الكامِنَ فيه ليس عقلاً كبقيّةِ العُقول.. بل هوَ عقلٌ ممزوجٌ بكِ.. لا يستطيعُ أن يُفكِّرَ في غيْرِك ٠. أمّا عيناي لكأني بصورتكِ قد التصقت بهما.. حتى بِتُّ لا أُبصِرُ الحياةَ إلّا من خلالكِ.. أمّا القلب فأغلبُ الظَّنِ أنكِ قد امتزجتِ بالدماء التي تجري في أوردتِه وشرايينه.. فلو توقَّفتْ عن السريان فيه لكفَّ عن نبضه وتعطَّل عن حركته.

لا تقولي أن قَوْلي مُبالغةُ عُشّاق.. أو مُجرَّدُ إنشاء.. أو محاولةٌ في الكتابة والأدب.. لأن ذلك القوْل هو حديثي إلى نَفسي، وليْسَ أصدقُ من حديثِ النَفسِ إلى النَفس.. إني لأُبصِرُكِ فأتمنّى ألّا يتحركَ الوقت، وأتمنّى لو أصابَ الحياةَ جُمودٌ ورُكود، حتى تظَلّي أمامَ عيْني إلى ما لا نهاية، وقد يزدادُ بي الطمعُ في بعضِ الأحيان فأتمنّى لو استطعتُ أن أحتوي يَدَكِ بيْن يَديَّ، وأن أحسَّ برأسِكِ يستندُ إلى صدري، ثم نُغمِضُ أعيُنَنا عن كل ما في الحياة، ونظلُّ كذلك حتى ينتهي العُمْر، أو حتى تحينَ الساعة".

*****

هذا بعضُ ما كانَ يكتبه الفتى، مِمّا لوْ جُمِعَ لكان مُجلداتٍ ضخمةً في الهَوى والهَيام.

وأخيراً وبعدَ مُضيِّ عاميْن طويليْن، وبعد طولِ كتابةٍ وصبابة، حدثتْ المُعجزةُ التي كان يتلهَّفُ عليها الفَتى وتَمَّ اللِقاء.. لقد عَوَّضَ اللّٰهُ انتظارَه، وجَزى صبرَه خيْراً، كل الخيْر، ففي ذاتِ مساءٍ رآها في الحَديقة وكانَ المكانُ خالياً إلّا منه ومنها، وابتسمتْ له وأشارتْ إليه بالدخول، فتسلَّلَ كما تسلَّلَ منذُ عاميْن، لا ليسرقَ الورودَ هذه المرّة، وإنما ليسرقَ الحُب.

وغادرها بعد أن أفرغَ كل ما في قلبه.. وبعد أن سرقَ كل ما كان يطمعُ فيه.. بل أكثر كثيراً.. لقد سرقَ منها اعترافاً بحبِّها له.. وسرقَ قُبلةً من يَدِها.

ومرَّ على الفَتى يومان بعد ذلك.. شردَ فيهما عن نَفسِه من فَرطِ تلكَ السعادةِ التي كان يحس بها حتى حدثَ اللقاءُ الثانى.. والأخير!

الأخير لأن الفتى قد حطَّمَ فيه صَنَمَه.. حطّمه وبكى.. لا بدَمْعِ عيْنيْه.. بل بدماءِ قلبه، وعصارةِ روحه النضرةِ اليانِعة.

لقد لقيَها.. فحطَّمَ لقاؤها قلبه.. وندمَ على هذا اللقاء كما لم يندم على شيءٍ في حياته.. وهو الذي كان لا يتمنّى شيْئاً قَدْرَ لقائِها.. لقيَها وهو يركبُ في عربة صاحبٍ له ثريٍّ مُدَلَّل.. سأله أن يذهبَ معه للقاء فتاتيْن تعوَّدَ أن يقضي معهما ساعاتٍ مُمتِعة.. وتمنَّعَ الفَتى فقد كان يحسُّ أن لصاحبتِه حقّاً عليه.. وأن في ذهابه خيانةً لعهدِها.. ولكن صاحبَه أقنعه أن هذا مجرد عبثٍ لا دَخْلَ له في الحُب أو الخيانة.

وسارت بهما العربة وهو شاردُ الذِهن، موجِسٌ (كاتمٌ) خيفةً من أن تراه فتاته في موقِفه الشائن، حتى أحس بالعربة تقف، وبالفتاتيْن تصعدان.. فإذا إحداهما.. هي صاحبته.. بدمها.. ولحمها.

واستأنفتْ العربةُ المسير وجلستْ فتاته إلى جواره مُلاصِقةً له.. ومع ذلك فقد كان يحس أن بيْنه وبيْنها ما بيْن الأرضِ والسَماء.. أو ما بيْن إبليسٍ والرحمة.. أو كأنه يجلسُ إلى مَيّتٍ بيْنه وبيْنه ما بيْن الآخرةِ والأولى.

ولم ينبسِ الفَتى ببنت شفة.. فقد كان يحسُّ بنفسه كأنه شبحٌ بيْن أطلال.. أو حطامٌ بيْن أنقاض.. ولم تكَد العربة تقِفُ في أوّل إشارةٍ للمرور حتّى فتحَ البابَ ببُطءٍ وتسلَّل من العربةِ واختفي بين السابِلة (عابري السبيل).

وعاد إلى داره.. وبنفسه ذلك الشعورُ المرير الذي  نحس به عندما نعود إلى دورنا (بيوتنا) وقد واريْنا التُرابَ عزيزاً لديْنا.

كم كانَ جَزَعُه شديداً.. ولوْعته مُمِضّة(مؤلمة)!

آهٍ لو عَلِمَ وقتذاك مَدى حقارتهن وتفاهتهن!.. وآهٍ لو يعلمُ أن هذا الجنسَ ليسَ أكثرَ من وسيلةٍ للتسليةِ والترفيه!

آهٍ لو علم هذا.. لوفَّرَ على نفسه الألم واللوْعة.. ولكنه كان معذوراً.. فقد كان الحُب الأوّل.. وكانت الصدمةَ الأولى.

 

 

(تــــــــــمَّــــــــــــــــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradentX