خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | امرأة قاتلة (3)


امرأة تجلس على الكرسي منهارة أمام المائدة وتبكي وهي تضع رأسها بين كفيها

امرأة قاتلة (3)

 

 

وهكذا وجدتُ نفسي رويداً رويداً في موْقفٍ عجيب، وتطوَّر الأمرُ بي حتى انقلبتْ الآيةُ بيننا، فبِتُّ أستجدي مَرضاته بعد أن كانَ يتلهَّفُ على رِضاي.. وبدأنا نخرُجُ إلى المُجتمع، ونختلطُ بالناس، فقد أدركتُ أن طول الوِحدة يوشِكُ أن يعصفَ بحياتنا، والتمستُ له العُذر فيما أصابه من ملل، لا سيّما أني وجدتُه - بعد طريقته الجديدة في العيْش واختلاطنا بالناس - قد عادَ إلى سابق رِضاه وذهبَ عنه سُخْطه وتبرُّمه.

ومرّتْ بي بعد ذلك فترةٌ عجيبةٌ لم أكُن أدري أنا نفسي مبلغَ رِضاي عن الحياة، ولا مبلغَ سعادتي وهنائي.. ولكن الشيْءَ الذي كنتُ واثقةً منه هو أني كنتُ أبذُل كلَّ جهدي لأُحافظَ على سعادتي.. فقد كان يُفزِعُني أن أجدَ نظريّتي في الحياة قد خابت، وأن نظريّة مَن حوْلي قد أصابت!.. وأن قوْلَهم عن الطريق السرابي والورود الذابلة يُمكِنُ بمثلِ هذه البَساطةُ والسهولة أن يتحقَّق.

لقد كرهتُ أن تفشلَ جُهودي في الاحتفاظِ بحياةٍ مُثلى، وتفشلَ لغيْر ما سببٍ معقول ولغيْر ما ذنبٍ جناهُ أحد سِوى خمودِ المشاعِر وركودِ الحياة، وصمَّمتُ على أن أبذُلَ كل ما في وِسعي حتى لا أكونُ موْضِعَ شماتةِ الشامِتين.. وأخذتُ أتفأنى في حُبّه وخِدْمته.. وفعلتُ ما لا تفعله خادمةٌ أكرمها القَدَر فأغرى بها سيّدها وأقدمَ على زواجها.. فهي تُحاوِلُ الاحتفاظَ به!

أجل! لقد انقلب الحال فبدا كأنه هو صاحب التضحية، ولم أكُن أشُكُّ في أن المُثابرة والتصميم وقوّة العزيمة والصبر يُمكِنُ أن تُبلِغنا أمانينا وتُحقِّقُ مآربنا، مهما بدتْ صعبةَ التحقيق بعيدةَ المَنال.. ولقد صدقَ ظنّي فبدأتُ أستعيدُ رويْداً رويْداً أرضي المفقودة من السعادة والهَناء وأحسستُ أنني أنقذتُ حياتي من شرِّ المَلل والسآمة.

وهكذا استعدتُ رِضا زوْجي، واستعدتُ هناءتي.. باستعادته هناءته، واستطعتُ أن أُجزِمَ أن ملله وتبرُّمه لم يكُن أكثرَ من عارضٍ طارئ.. هذا هو ما استطعتُ أن أُجزِمَ به.. حتى حدثَ ذاتَ صباحٍ حادثٌ بسيطٌ تافِه.

كنتُ في خارج الدار أبتاعُ بِضعةَ حاجياتٍ كُنّا في حاجةٍ إليها، وكنتُ أتممتُ كل أعمالي التي تعوَّدتُ أن أقومَ بها في البيْت في كل صباحٍ من تنظيف الأثاث وترتيبه وكذلك أعددتُ الطعام إعداداً مبدئيّاً، وتركته للخادمة حتى يتم نُضجُه.

وكانَ زوْجي قد ذهبَ إلى عمله.. ولم يكُن يعودُ منه قبل الساعة الثانية.. وقد عقدتُ العَزْمَ على أن أعودَ إلى البيْت في الساعة الواحدة حتى أتأكَّدَ من أن كل شيءٍ على ما يُرام.. ووصلتُ إلى البيْت والساعة تدُق الواحدة، وحثثتُ الخُطى على الدَرَج حتى وصلتُ إلى الباب ودفعتُ في ثُقبه بالمُفتاح الذي كنتُ أحتفظُ به معي، وهرولتُ إلى المطبخِ لأطمئنَّ على الطعام، فوجدتُ القِدْرَ يفورُ ولم أجِدِ الخادمة، وبحثتُ عنها في الحَمّام فلم أجِدْ لها أثراً.. وكانَ أوّلُ ما مَرَّ بذِهني هو أنها قد هربتْ، وخشيتُ أن تكونَ قد سرقتْ بعضَ الحُلَيْ والنُقود، فأسرعتُ إلى حُجرتي لأطمئنَّ على الصُندوق الذي أضِعُ فيه الأشياءَ الثمينة وأُغلِقُ عليه دولاب مَلابسي.

أسرعتُ إلى حُجرتي ودفعتُ الباب، ولكني لم أتقدَّمْ إلى دولاب المَلابس، فما كانت بي هُناكَ من حاجةٍ إلى الشك في أنها قد سرقتْ نُقودي أو حُليْي.. لأني بنظرةٍ واحدةٍ استطعتُ أن أتبيَّنَ أنها قد سرقتْ شيْئاً أثمنَ من هذا.

لقد سرقتْ زوْجي!

أجل! لقد وجدتُها هُناكَ في حُجرةِ نوْمي، وعلى فِراشي وبجوارها الرجُلُ الذي ضَحَّيْتُ من أجله بكل ما أملك.. لقد ضَحَّى بي هوَ من أجل خادِمة!.. ومرَّتْ بذِهني في سُرعةِ البَرق.. المبادىءُ السامية.. والأهدافُ العالية، والحياةُ المُثلى، والتضحيةُ الغالية.. فلم أستطِع أن أكتُمَ ضِحكةً ساخِرةً انطلقت من شَفَتيَّ.

إذن فقد كانت هي التي نجحت في تبديدِ سآمته وتبرُّمه.. لقد كانت هي وحدها.. ولم تكُن جُهودي أو تفانيَّ في حُبّه وخِدْمته وراحته.. لم يكُن تصميمي وعَزمي ومُثابرتي وصبري هو الذي حقَّقَ أملي في السعادة، بل كانت هيَ!

وتخيَّلتُ الأهل والصِحاب الذين ضربتُ بأقوالهم عَرْضَ الحائِط، والذين قُلتُ لهم أن الحُبَّ هوَ كل شيء.. تخيَّلتُهم حوْلي يرون المَنظَرَ الذي أُبصِرُه.. تُرى ماذا هُم قائلون؟.. أُقسِمُ أن أفكارَهم - عندما حذَّروني - لم تكُن قد وصلَ بها توَقُّعُ السوءِ والخِذلان إلى هذا الحَد.

وران الصمتُ على الحُجرة لحظةً.. صمتُ الذُهولِ والدَهشة، ثم وجدتُ وجهَهُ قد عَلاهُ الحَقدُ والغضب.. وسمعتُه يصرُخُ بي آمِراً إيّاي بالخروج.

هكذا!.. أنا أخرُج؟ طبعاً.. لقد قطعتُ عليه مُتعتَه وشاركتُه في خُلوَته.

وجُنَّ جُنوني، فقد وقعَ عليَّ فَعلُه وقوعَ الصاعِقة.

وتطايرَ من نَفسي الحُب والطيبة والخُلُق والهُدوء والاستكانة، تطايرَ كل هذا.. ولم يبقَ في نَفسي سِوى إحساسي بالجُرح.. ووقعَ بَصرى على مُسدَّسه الذي يحتفظ به في دولابي.. وبحركةٍ لا إراديّةٍ مددتُ يدي، وتحسَّسَ إصبعي الزِناد، ثم ضغطتُ عليه.

وفي لَمْحِ البَصَر انطلق الدَوي، ثم وجدتُه أمامي يتلوّى في الفِراشِ مُتخبِّطاً في دِمائه! وأحسستُ براحةٍ شديدة، ولم يتملَّكني أقلُّ نَدَم.. وغادرتُ الحُجرة وارتمَيْتُ على أقربِ مِقعَد.

*****

أنهم سيُبرِّئونَ ساحتي.. ولكن سواءٌ عندي البراءةَ أم الإدانة.. فما عُدتُ أهدِفُ في الحياةِ إلى شيء.

لقد كنتُ فتاةً طيّبةً مُصليّة.. ولكني الآنَ لا أشعُرُ في الطيبة والصَلاة بأي عَزاء، شيءٌ واحدٌ هو الذي أجدُ فيه عَزائي.. ولوْ كنتُ أعرفُ أن هذا هو مَصيري لسلكتُ إليه من أوّلِ الأمرِ أهوَنَ السُبُل:

اسقِنيها فقد رأيْتُ بعيْني

في قَرار الجَحيمِ أيْنَ مَكاني.

 

 

(تــــــــــمَّــــــــــــــــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradentX