امرأة قاتلة (2)
وكأن
الحُلمَ الجميلَ يُداعِبُ نفسي.. وكأن الأملَ الحلوَ يتراءى لي في أُفُق الحياة
المُشرق.. وما أظنُّني كنتُ - في لَهفتي على صِنو (مثيل) النفس - بالشاذّة التفكير،
أو المُرتكِبة أمراً إدّاً (مُنكراً)، فما كنتُ - كما قُلت - أكثرَ من فتاة، وأيُّ
فتاةٍ لا تتلهَّفُ إلى صِنو النَفس وتوْأم الروح وشريك الحياة؟!
لم
يكن عجيباً إذَن أن أتلهَّفَ على الحُب، بل العجب كان في ألّا أتلهَّفَ عليه، فتلك
هي طبيعة البشر وأنا بشرٌ قبل أن أكونَ غنيّةً أرستقراطيّة.. وحتى لوْ كانت
الأرستقراطيّةُ تُتلِفُ قلوبَ الفتيات وتُخمِدُ مشاعِرَهن وتصيبهن بشذوذٍ في التفكير
فقد كنتُ أنا غيْرُ ذلك، لأني - كما قُلت - كنتُ ضعيفةَ الإحساس بتلك المظاهر مُبغِضةً
لها.
وهكذا
رحلتُ عن أرض الوطن، وبنَفسي لهفةٌ إلى المجهول الذي يتلهَّفُ عليه القلب ويحنُّ إليه
الفُؤاد، وفي خلال الرحيل صادفتُه.. ذلك المخلوقُ الذي استطاعَ أن يتقمَّصَ الأمل
المنشود والأُمنية الحائرة.
لا
أريدُ أن أُبرِّر حُبي له أو أُعلِّل أسبابه.. فأنتم أدرى بأن الحُبَّ شيْءٌ لا
يمكن تعليله ولا تبريره، إننا عندما نحب لا نستطيع أن نجد لحبِّنا أسباباً أو عِللاً..
فهذا شيءٌ يُصابُ به الإنسان كأي مرضٍ لا تُجدي فيه أيّةُ رِقابة.. أنه شيءٌ يُفرَضُ
علينا فرضاً.. لا سبيلَ لنا إلى مُقاومته، ولا الوقاية منه.. هذا شيءٌ مفروغٌ منه، وقضيّةٌ مُسلَّمٌ بها، ولا
أظن أحداً منكم بجاهله أو مُنكره، فكما أن الإنسان لا يملك أن يوقِفَ الصواعِق، أو
يمنعَ الزوابع، أو يُهدٌِّئ الزلازل.. فهو أيضاً لا يستطيع أن يتّقيَ أخطار الحُب،
أو يتجنَّبه، أو يجعل نفسه بمنجاةٍ منه.
ورغم
كل ذلك فأني لا أعدم المُبرِّرات التي قد تُخفِّفَ من روْعةِ هؤلاء المُرتاعين،
وتحِدُّ من دهشتهم وذهولهم، لأنني أحببتُ رجُلاً فقيراً من غير طبقتي!
لقد
كنتُ في حاجةٍ إلى الحُب. وكان هو وحده - في هذه الغُربة الطويلة - الذي يملكه، وبمرور
الزمن وطول الغُربة، وفَرط حاجتي إلى ذلك الحُب، لم أملكْ سِوى قبوله ومُبادلتي إيّاه
الحُب المُدَّخَر في قلبي للإلف (المحبوب) المُنتَظَر والخِل المُرتَقَب!
وهكذا
وجدتُ الحياةَ قد تكرَّمت وجادتْ عليَّ بأُمنيتي ولكنها لم تمنحني إيّاها بغير ثمن..
بل بثمنٍ كنتُ على أتم الاستعداد لأن أدفعه عن طيب خاطر.. كان
الثمن باهظاً في نظر الناس، الناس المخدوعين بزيف الأوْضاع وأوْهام المظاهِر.. أمّا
في نفسي فلم يكُن باهظاً بل كان اتفه من أن يُسمَّى ثمناً.
لقد
رأي مَن حوْلي، في حبي له، قلباً للأوْضاع وخرقاً للتقاليد.. بل ونصحوني بأن أعدِلَ عن هذا الحُب، وأنبأوني بأني
ما زلتُ فتاةً طائشةً مخدوعةً بأوْهام الحُب وبريقه الزائف الخدّاع، وأن هذا
الطريق السرابي الشائك الذي أُحاول السيْر فيه والذي أتوهَّمه مليئاً بالورود
والرياحين لن يلبثَ حتّى يذهبَ سرابُه، وتذبل وروده، وتبدو وَحشته وقَفره.
ولكنى
لم آبه لآرائهم.. فقد كنتُ مُقتنعةً تماماً بمبادئي في الحُب وآرائي.. وكنت أعرف
تماماً أن الطريق الذي أُوشِكُ أن أسيرَ فيه سيُحقِّق بُغيتي ويُبلِغني مَطلبي.
وهكذا
أصررتُ على المُضي في طريقي، وأصرّوا هُم على أن أتجنّبه وأنكص عنه، ولكني ضربتُ بإصرارهم
عَرْضَ الحائط، فثارت ثائرتهم وجُنَّ جنونهم، وهدَّدوني بأن يحرموني من الإرث
ويتخلّوا عني ويُعلِنون براءتهم مني.
هذا
هو الثمن الذي كان عليَّ أن أدفعه.. ثمنٌ فادحُ في مظهره.. بَخْسٌ في حقيقته.. لقد
هتفَ بي القلب الخفّاق النَشوان: "ادفعي الثمن فإنه يستحقُّ أضعافَ أضعافه".
ودفعتُ
الثمنَ راضيةً مُغتبطة، ورضيتُ من أجله بأن أفقدَ عطفَ الأهل والأصدقاء، وأن أقطع
كل صِلتي بمِن عداه، وأن أبدوَ في نظر الناس طريدةً مُشرَّدةً منبوذة.. ومع ذلك
فما أحسستُ قَط بأي ندم، وما رأيْتُ في فِعلتي أيّة تضحية.. فقد كان كل ما خسرته
من عطفٍ ومال لا يكاد يُعادِل مِثقال ذرّةٍ واحدةٍ من الهَناء الذي كنتُ أحسُّه بقُربه.
وتزوّجنا
وبدأنا حياتنا معاً.. حياةً رغدةً هانئةً بسيطة كانَ كل هَمّي فيها أن أُهيِّءَ له
الراحة، وأبدو له قريرةً راضية، وأُزيلَ من نفسه أيَّ إحساسٍ بأني قد ضحيْتُ من
أجله.. ولم يكُن ذلك بالأمر العسير، فقد كنتُ فِعلاً قريرةً راضيةً قانِعة، وما كنتُ
أحسُّ قَط أني قد فعلتُ أيّةَ تضحية.
ومرَّتْ
بنا الأيّام الأولي للزواج، وأنا أتمتَّعُ بقَدْرٍ من السعادة.. ما أظُنُّ أن الثَراء والمظهر كانا يستطيعان أن يُهيِّئا
لي شيْئاً منها.. لقد تحقَّقَتْ مَبادئي في الحياة.. وثبتَ لي أن المخلوق الطيّب إذا
ما سلكَ الطريق السوي فلن يبخلَ عليه القَدَرُ بتحقيق أمانيه.. وأن خيْر ما نفعله في
الحياة لكي نضمنَ سعادتَنا هوَ أن نختارَ الهدف الصائب، ثم نسلُكُ السبيلَ إليه مُتخطّينَ
في عزمٍ كل ما يُصادِقُنا من عقباتٍ تُحاولُ أن تُجنِّبنا الطريق وتُغرينا بغيْره.
وكانَ
يُعاوِدُني حنينٌ إلى الأهل بيْن آوِنةٍ وأُخرى.. ولكن قُربَهُ كان يُصبِّرني على فُرقتِهم..
وكانَ فرطُ محبَّته وتقديسه لي يبعثُ في نفسي عزاءً دائماً عن كل ما فقدتُه من
عطفهم، وتُقنِعني أنه يستَحِقُّ أن
أفقِدَ من أجله كل
شيء.
وانقضتْ
الفترةُ الأولي من الزواج ونحنُ في عُزلةٍ تامّةٍ عن الناس.. وكنتُ دائمةَ الضحك
والمَرَح، مُحاوِلةً في كل وقتٍ أن أُبدِّدَ ما يُمكنُ أن يُخيِّمَ علينا من سُحُب
السآمة والملل.
وقد
تتساءلون: من أيْنَ تأتي سُحُبُ السآمة والملل؟ وعلى مَن تُخيِّم؟ وأنا القانعةُ
الراضيةُ الهانِئة، وهوَ الذي ما كانَ يحلُمُ قَط بأن يلقى مِثلَ هذه التضحية؟
ولكنى لا أجدُ مَفرّاً من الاعتراف بأني رغمَ كل ما فعلتُ من أجله لم أستطِع أن أمنعَ
هذه السُحُبَ من التسرُّبِ داخل وَكرِنا والإحاطة به.. وبدا لي أنه لا يُحاولُ
كثيراً أن يُعاوِنَني في مَهمَّتي وأنه لم يعُد يُهِمُّه أن يكتُمَ ضيقه.
