امرأة قاتلة (1)
اسقِنيها
فقد رأيْتُ بعيْني
في
قَرار الجحيم أيْن مَكاني
اسقِنيها
فقد نضبَ مَعينُ الروح وجَفَّ ماءُ القلب.. اسقِنيها علَّها تُغرِقُ أكداسَ
المرارة وتُفتِّتُ صخور اليأس.. اسقنيها علَّها تُطفِئ حُرقةً في النَفْس، وتبلُّ
سَعيراً في الفؤاد.. فإن لم تفعل فلعلها مُطفِئةَ ذُبالة (فتيل) حِسٍّ هوَ كل ما
تبقّى لي لينكأ جرحى بين آونةٍ وأُخرى، ويُذكِّرني بأن كوْمةَ الحُطام التي تبقَّتْ
مني ما زالت كائناً حيّاً يحسُّ ويتألَّم ويُفكِّر ويتذكَّر.
اسقِنيها
علَّها تُذهِبُ ببقيّةِ وعيٍ وفضلةِ حِسٍ هوَ كل مايربطني بالحياة ويشدَّني إلى آلامها
وأوْجاعها.
أني
أكرهُ الحياة، لأنِها شيءٌ عويصٌ غيرُ مفهوم.. إنها لُغرٌ مُحيَّر.. أوَقد كُتِبَ على
الإنسان أن ينتهي دائماً - مهما سَلَكَ من سُبُل - إلى مِثل هذا المَصير البائس
التَعِس؟
ألا
يُمكِنُ أن يُغيَّرَ مَسلكُنا في الحياة - إذا قوَّمناه - خاتمتَنا الشقيّة؟ أم أن
الشقاء ما دامَ قد كُتِبَ علينا فلا بُدَّ من وصولِنا إليه مهما أجهدنا أنفُسَنا في
تجنُّبه والفِرار منه؟
لو
عرفتُ أني سأنتهي إلى هذا المصير، لسلكتُ إليه أهون السُبُل.. ولو عرفتُ أنه سواءٌ
علينا كُنّا مُخلصين أو مُنافقين.. وسواءٌ
كُنّا من أصحاب المبادئ والمُثُل، أو كُنّا أوْغاداً لِئاماً.. وسواءٌ كُنّا ذوي قلوبٍ عامرةٍ بالإيمان والحب،
أو كُنّا ذوي قلوبٍ جامدةٍ قاسية، فإن مآلَنا واحدٌ ومصيرَنا لا يتبدَّل.. لو كنتُ
أعرفُ هذا للفظتُ المَبادئ وحطّمتُ المُثُل، ولسِرتُ إلى مصيري حتى بلغتُه، جامدةً
القلب، عديمةَ الحِس.. خائنةً كاذبةً مُنافِقة كغيْري من الكاذبات الخائنات المُنافقات.
كنتُ
صغيرةً ولم أكُن أتصوَّرُ الحياةَ قَط يُمكِنُ أن تُمعِنَ بنا في السُخرية إلى هذه
الصورة.. وكنتُ أُحاولُ دائماً أن أُفكِّرَ بعقلي السليم وتفكيري المُتَّزِن..
وكنتُ أنظرُ إلى الحياة نظرةً هادئةً مُستوعِبة، أُحاولُ أن أضعَ الشيْءَ دائماً في
موْضعه.. وكنتُ أهدفُ في حياتي إلى أشياءٍ ما ظننتُ قَط أن الحياة ستبخلُ عليَّ بها.. وخاصةً إذا ما سلكتُ إليها الطريقَ الصواب.. الذي
يضمنُ لي أن يوصِلَني إليها.
كنتُ
دائماً مخلوقةً طيّبة.. ما فكَّرتُ في أن أوذيَ أحداً، أو أتكبَّرَ على أحد.. ورغم
هذه السنين الطوال التي قضيتُها تُحيطُني مظاهرُ الغِنى والثَراء ما أحسستُ في قرارةِ
نفسي بمُتعةٍ من هذه المظاهر، فقد كنتُ أكرهُها وأكرهُ أن أتميَّزَ عن سواي بما لا
فضلَ لي فيه.. وكنتُ لا أرى
فيها سوى مظاهرَ زائفةٍ وشكليّاتٍ تافهةٍ لا يُمكِنُ أن تبعثَ في نفسي إحساساً بميزةٍ
أو شعوراً بفخر.
هكذا
كنتُ دائماً.. أرستقراطيّةً ثريّةً في مُجرَّدِ المَظهر، أمّا في باطني فقد كنتُ
مخلوقةً مُنطويةً هادئةً بسيطةً طيّبة.. كنتُ أفهمُ الحياةَ جيّداً، وأُدرِكُ مدى
زيْف مظاهرها، ولذا فلم أكُن أطمعُ منها في أكثرِ ممّا يُمكِنُ أن تطمعَ فيه أيّةُ
فتاةٍ بسيطةٍ عاقلة.. وهو أن أكونَ زوْجةً مُحبَّةً وفيّةً لزوْجٍ مُحِبٍّ وَفي.
ولم
أكُن أظُنُّ أبداً أن هذا المطلبَ بالأمر المُستعصي، ولم أكُن أظُنُّ هذه الأرضَ
الواسعة ستبخلُ على فتاةٍ طيّبةٍ بنِدٍّ طيّب.. وكنتُ أعتقدُ أن المخلوقَ الطيّبَ إذا
ما سلكَ الطريقَ السوي فلا بُدَّ له أن يصلَ إلى هدفه البسيط المُعتدِل، ومع ذلك فقد اضطربتْ بي ظروفُ الحياة، وأجبرتني على
الرحيل عن أرض الوطن، ولم يخطُر ببالي وقتَ الرحيلِ أن الغيْبةَ ستطول.. بل ظننتُ
الرحلةَ مَطافاً قصيراً إلى العوْدةِ مُنتهاه.
