خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | امرأة مغرورة (2)


الكاتب والأديب يلقي أبيات رباعيات الخيام ويشرح معانيها للهانم النبيلة الأرستقراطية

امرأة مغرورة (2)

 

 

أما عن السبب الأول فقد ضايقني لأنه سبّب لي يأساً جديداً، فقد وجدت سلاحي الوحيد الذي كنت آمُل في إن أغزوكِ به، وهو سلاح التفوّق في الكتابة والأدب، قد قلَّ وأصبح لا يُجدى معكِ.. فقد أدركتُ من لهجتكِ في الإنجليزية، أنك لا تستطيعين الحديث بالعربية.. بَلْهَ (ناهيك عن) قراءة أدبها.. وأنا رغم ما قلت عن ضياع قيمة الأدب في هذا البلد، شديد الاعتداد بنفسي - على الأقل فيما بيني وبين نفسي – كأديب.. شديد الغرور، شديد الثقة، أحترم نفسي ككاتبٍ أكثر مما أحترمها كأي شيءٍ آخر - وقد يكون هذا هو دَيْدَن (طَبْع أو نَهْج) كل كاتبٍ وأديب - وأشعر دائما أن سلاحي الأول في التفاخُر والزهو هو كتابتي وأدبي، رغم أنها أشياءٌ لا تُقدَّر كثيراً في هذا البلد.

وهكذا خُذِلتُ عندما وجدتُ أن بينكِ وبين أدبي حِجاباً كثيفاً من جهلكِ باللغة العربية، ولم يعد لدى أي أمل في أن تكوني قد قرأتِ لي، أو سمعتِ بي. أما عن ضيقي لأني شعرتُ أنكِ قد جعلتِني تعويذة، فقد كان مرجعه أيضاً إلى ذلك الغرور الذي أحسّه في نفسي. فرغم يأسي منك واحساسي بالمدى الشاسع بيني وبينكِ.. كنت أود - إذا ما التقيْنا - أن تجدي فيَّ ميزةً في الشكل أو في الخلق أو في الثقافة، أكثر من ميزتي كتعويذة تجلب الحظ.

وبعناد الحمقى المغرورين، وجدتُني أنهض لأنصرف.. ورغم إلحاحكِ عليَّ بالبقاء صمّمت على مغادرتكِ مُدعياً أنى على موْعد، وتركتُ السباق سائراً على قدميَّ وسط آلاف العربات المُكدّسة أمام الميدان.

وعندما خلوت لنفسي بعد ذلك، عجبت لما فعلت واتهمت نفسي بالجنون.. كيف تُلِحّين عليَّ بالجلوس معك فأرفض؟ كيف يحدث مني هذا، وأنا الذي لا يُسعدني في الحياة أكثر من نظرةٍ إليكِ من بُعد؟ وماذا ضايقني منك؟ حديثكِ بالإنجليزية؟ وما ذنبكِ، وأي جريمةٍ في ذلك؟ وماذا أغضبني من قوْلكِ أني جلبتُ لكِ الحظ؟ ألم يكن هذا خيراًَ من أن تقولي أني جلبتُ لكِ سوء الحظ؟ وماذا كنتُ أنتظرُ منك؟ أتستبقينني لأن جمالي قد سحرك، وانك لا تُطيقين فُرقتي؟ يا لي من غرٍّ أحمق مأفون! لقد أضعتُ فُرصة العُمر!

وقضيْتُ ليْلتي حزيناً يائساً، وظللتُ مُغرقاً في الضيق، حتى ظهر اليوْم التالي عندما تبيّن لي إن فُرصة العُمر لم تضِع بل هي مُقبلةٌ مُؤكّدة، فقد أنبأني صاحب الجريدة التي أعمل بها أنه قد وصلته دعوةٌ لإحدى حفلات الفروسيّة وسألني أن أذهبَ مندوباً عن الجريدة، ولم أتردَّد في القبول، فقد كنتُ أعلم إن مثل هذه الحفلات لا تفوتك، ووجدتُ الفرصة قد تسنح للقائكِ، والحديث معك.. لا سيّما وأنكِ بلا شك ما زِلتِ تذكرينني من لقاء الأمس وتذكرين أني أجلِب لكِ الحظ.

ولقيتُكِ هُناك وأسعدني الحظ بالجلوس بجواركِ في حفلة الشاي التي أقيمت في النهاية.. ودار بيننا الحديث فعرفتِ مَن أنا وماذا أعمل، ولم تبخلي عليَّ ببعض كلمات الإعجاب بالأدب والأدباء رغم أنك لم تقرأي لي.

ولا أكذبكِ القوْل.. أن هذه الجلسة بيننا كانت بداية إحساسٍ جديدٍ لكِ في قلبي، فقد تبيّنتُ خلال الحديث معكِ أنكِ مخلوقةٌ مُتواضعةٌ لطيفة ذكيّة رقيقة. وقُلتِ لي أنك قرأتِ رُباعيّات "الخيّام" بالإنجليزية ٠٠ وأنك ترغبين في قراءتها بالعربية.. فوعدتُ بإحضارها إليكِ.

وهكذا بدأت الصِلة تتوطّد بيننا بواسطة "عُمَر الخيّام"، فقد أحضرتُ لكِ الترجمة العربية، ولكنك لم تفهمي منها حرفاً واحداً، فتطوّعتُ بقراءتها وشرحها لكِ. وبدأنا جلساتنا في خُلواتٍ مُمتعةٍ هنيئة، خلواتٌ ملؤها الشاعرية والأوْهام اللذيذة والحلم الجميل وأخذت أشرح لكِ:

غرّد الطيْرُ فنبَّه مَن نَعَسْ (نام)

وأدِرْ كأسَك فالعَيْشُ خُلَسُ (جمع خُلسة وهي الفرصة)

سِلْ (انتزِع) سيْفَ الشمسِ من غِمْد (جراب) الغَلَس (ظُلمة آخر الليْل)

وانبري (قِف) في الشرقِ رامَ (قَصَدَ) أرسُلا (أسود أي رجال شُجعان)

أسهُمُ الأنوارِ (أشعة الشمس) في هامِ (أعلى) القِلاعِ (الحصون)

وأقبل كلٌ مِنّا على صاحبه بلهفةٍ ونهم.. أنا بالقراءة والشرح واستراق النظر إلى وجهكِ الساحر الوضّاء (المُنير).. وأنتِ بالاستماع والشرود والذهول. وكنت أسير في طريق حُبِّكِ بسُرعة الصاروخ.. حتى بلغتُ نهايته.. وبدا لي أنكِ لا شكَّ سائرة في نفس الطريق وأننا سنلتقي في النهاية ويُفضى كل مِنّا بمشاعره للآخَر.

ولكنكِ نكصتِ على عقبيْكِ فجأةً قبل إن تبلُغي النهاية. لست أدرى لِمَ؟ أتُراكِ لم تنظُري قَط إلى المسألة على أنها مسألةُ حُبٍّ جاد وأنكِ كنتِ تتسلّين بي وبـ"الخيّام".. وأنتِ كنتِ تضيّعين بعض الوقت في شيءٍ جديدٍ عليكِ، وأنكِ سرعان ما مللته؟ هل كنتُ لديْكِ مُجرَّدَ نوْعٍ من التغيير؟ اللّٰه وحده أعلم.

أمّا الذي أعلمه.. فهو أنكِ بدأتِ تخلفين المواعيد.. وبدا لي أنك تتهرّبين من لقائي، وأخذتُ - بدافع الحُب الجنوني - ألحق في الرجاء وأُلِحُّ في محاولة اللقاء، حتى صُدِمتُ منكِ صدمةً ردَّتني إلى صوابي وأعادت إلى كِبريائي وذكّرتني بكرامتي.

كإن ذلك في حفلةٍ ساهرةٍ طال بنا السهر فيها.. حتى رأيْتُكِ لأوّلِ مرة ثملةً تترنّحين.. وسمعتُكِ تصيحين بي ساخرةً:

-       لِمَ لا تُثقِلْ علينا بأشعارِك أيها الأديب؟

ثم التفتِّ إلى الجَمع الصاخب، وأردفتِ بنفس اللهجة الساخرة:

-       هذا الأحمقُ المِسكين كان يُحاول أن يوقِعني في حُبّه بقراءة الشِعر.. تصوّروا هذا.. تصوّروا.. أني أُحبُّ هذا المغرور الساذج.

ولستُ أذكرُ أني ضربتُ امرأةً في حياتي قَط.. حتى ولا خادمة.. ولكني وجدتُ مراجلي تغلي بالغضب.. ووجدتُ كل ما بي من حِلمٍ وهدوءٍ ورِقّة طَبْعاً يتبدَّد فلا يضحى له أثر.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX