خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | امرأة مغرورة (1)


سباق الجياد حيث مدرج الحاضرين والمتسابقين وبادوك الخيل ومضمار السبق

امرأة مغرورة (1)

 

 

ودَّعَ الصَبرَ مُحِبٌّ وَدَّعَك

ذائِعٌ مِن سِرِّهِ ما اِستَودَعَك...

أمّا الصبرُ يا توْأم الروح فقد استعصى وتعذّر، يوْم ولّيْتِ.. ولّى، وساعة ودّعتِ ودّع.. وما عاد يُغني عن فُرقتِكِ صبر، أو يُفيد في بُعدِك عزاء. أمّا السر الذي استودعتِك.. فبرغمي يا حبيبتي يُذاع.

أنا إن كتمتُ في نفسي الجوى.. وحبستُ في صدري اللوْعة.. فما أستطيع كتْم أنفاسٍ تستعِر، وزفراتٍ تلتهب.

إذا حبستُ الدَمعة في المآقي، انطلقت الآهة من الحَنايا؛ وإذا حبستُ الآهة.. انسابت الدَمعة.

وكيف أعيش يا حبيب الروح بعدِك بغير آهة، وبغير دمعة؟ السر الذي استودعتُكِ.. ذائعٌ يا حبيب برغمي.. تنِمُّ عنه الآهة، وتفضحه الدمعة.. وبين الدمعة والآهة، يتململ اللسان ويتلهّف على إن يُفضي به ويبوح.

وبين التملمُل واللهفة.. أتركه ينطلق. أفلا أقل من عوْدٍ إلى الذِكرى!

هي عزاءٌ إلى حين!

*****

لقيتُكِ يا حُلوة وبيننا ما بين السماء والأرض.. أنتِ في السماء، وأنا في الأرض.. مجازاً وفِعلاً.. أي والله.. كل الظروف التي أحاطت بنا في أوّل لقاء، جعلتْكِ سماويّةً وجعلتْني أرضيّاً.

كنتِ تتبوّئين إحدى مقصورات سباق “هليوبوليس”، كما يتبوّأ القمر أريكةَ السماء.. ووجدتُ بينِك وبين القمر شبهاً شديداً.. إذا أشرق أحدكما لم ينافسه في سمائه كوكب، تنساب منه الأشعة رطبة نديّة، تُغرِق العباد بنورٍ بلا حَر، ونشوةٍ بلا خمْر.

وكنتُ أنا من عباد اللّٰه الذين يتقاسمون النور ويتشاركون النشوة، قانعين ناعمين، متجوّلين في الأرض.. أرض السباق الحافلة العامرة، غادين رائحين بين بادوك الخيل (منطقة في مضمار السباق تُستخدم لتجمع الخيول، وفحصها بيطرياً، ووضع السروج، واستعراضها أمام الجمهور أو المُراهنين قبل انطلاق السباق) وبين مُدرّجات السباق حائرةً عيونهم.. بين الجياد وبين الخُرَّد الغيد (النساء الجميلات).

وهكذا كإن أحدنا في السماء، والآخر في الأرض.. شكلاً ووضْعاً وفِعلاً.. أمّا مَجازاً فقد كإن بيننا أبعد مما بين السماء والأرض.

كُنتِ نبيلةً ثريّةً أرستقراطيّةً بكل ما في تلك الكلمة من معان.. وكُنتُ أنا.. ماذا كُنت؟.. ماذا أقول؟.. وأنا ما عرفتُ في يوْمٍ من الأيّام مَن أكون؟ كاتبٌ وأديب؟

لو كنا في غير هذا البلد لقُلْتُها بمِلء فمي، ولانتظرتُ أن يحني لي الناس هاماتهم تحيةً وإجلالاً.. أمّا هُنا والأديبُ المُجرّد لا يعرف كيف يأكل عيشه.. أما هنا والبلد يعترف بالجزار والبدال واللحاد والكناس، كأصحاب مهن.. ولا يعترف بالأديب.. أما هنا والأديب لا يجسر إن يكتب على بطاقته “أديب” فكيف أقول أني أديب؟

ومع ذلك فلا مناص من الاعتراف بها. لأنني فعلاً.. لستُ سوى ذلك.

أجل يا أخت الروح، لقد كنتِ نبيلة ثريّة أرستقراطيّة في بلد المظاهر والغرور.. وكنت أديباً بين الناطقين بالضاد. ألم أقل لكِ.. كنتِ في السماء.. وكنتُ في الأرض؟ وكإن أحرى بي في ذلك اليوم، إن أنصرف عنكِ كما انصرفتُ من قبل في كل مرة لمحتُكِ فيها من بُعد.. وإن أنشد لنفسي ذلك القول الذي أعزّي به عنكِ نفسي كلما لقيتك:

«لا ترفُّعاً أنصرف عنكِ ولا كبرياء، ولا جهوداً عن حُسنك ولا جفاء.. بل إن جبّار اليأس قد خرج بفؤادي عن دائرة نفوذِك وعلا به على بَسطة سُلطانك.

أيّتها الغادة: كل ما في الوجود يذوب في ألحاظك (نظرات عيونِك) إلّا يأسي فإنه كالثلج الجامد على رأس الطوْد (الجبل) تُغازله أشعة الشمس طول الأبد فلا يشعر.

وقفتِ مني على قيْد (بُعد) خطوتيْن وبيني وبينك ما بيْن إبليس والرحمة.. فكأننا نجمان تجاورا في عيْن الناظر وبينهما بُعد السماء عن الأرض وكأنكِ تنظرين إلى ميّت، يفصلك عنه الوقت، والوقت ما لا يُقدَّر».

كان حريّا بي إن أنصرف عنكِ بهذا القوْل، لوْلا إن أتاح اللّٰه لي من رفعني من وِهاد الأرض (وِديانها المنخفضة) إلى علياء السماء.. فإذا بي أجد نفسي في غمضة عين أجلس بجوارِك.

لقد صعدتِ إلى السماء.. بغير فِعلٍ خارق.. لا موْتَ، ولا مُعجزة.. بل كانت المسألة أبسط ممّا أتصور، رأيْتُ في مقصورتكِ زميلاً قديماً من أبناء الذوات.. كان يُجاورني في إحدى سنوات الدراسة، ورفع يده لي مُحيّياً عندما التقى بصرانا وأشار إلى بالصعود.

ولم أتردّد ثانيةً رغم ادّعائي الترفُّع والإباء (الرفض في شممٍ وكبرياء) واحتقار هذه الطبقة من أبناء الذوات.. بل شققتُ طريقي بين الأجساد المُتراصّة حتى وصلتُ إلى المقصورة.. وتصافحنا ودعاني إلى الجلوس فلبيْتُ الدعوة، وقام بدوْر التعارُف بيني وبينك، فأحنيْتِ رأسكِ احناءةً تكاد لا تُحَس ومنحتِني نظرةً بطرف عيْنيْك.

ومع ذلك فما أحسستُ بخذلانٍ ولا ضيق، فقد كان جلوسي على مقربة منكِ كافٍ لكي يجعلني أغُض الطرف عن كل إهمالٍ منك أو إعراض (ابتعاد أو نفور)، كنتُ أحس بنشوةٍ ممتعة، نشوة أطاحت بذلك اليأس الذي كان يُخيّم على نفسي كلما لقيتكِ أو نظرتُ إليكِ.

وانتهي شوْط السِباقِ الدائر وقتذاك والذي كان يسترعي كل التفاتك، والذي جعلكِ تلقينني بذلك الإهمال والإعراض لقطعي عليكِ استغراقك في مُراقبته، ثم وجدتُكِ تضعين المنظار بجانبك وتصفِّقين بيديْكِ طرباً وتلتفتين إلينا صائحةً وقد استخفَّكِ الطرب:

-       برافو.. هذه أول مرة أكسب في هذا الموسم، لقد كان حظّي سيّئاً من أوله، ولكن هذا المكسب سيُعوض لي كل الخسارة السابقة، فما من أحدٍ قد لعب على هذا الحصان، انه "أوتسايدر"، ويبدو لي أن الريال سياتي بعشرة جُنيْهات.

ثم نظرتِ إلى ووجهتِ لي الحديث:

-       إن وجودك سبَّب لي حظاً سعيداً.. يجب أن تبقى معنا إلى نهاية السباق حتى أستمر في الرِبح.

وكان الأمر الطبيعي أن يُسعدَني قوْلكِ هذا، ولكنى – وأنا مخلوقٌ غريبٌ لا أفهم نفسي في كثيرٍ من الأحيان – وجدتُني أصاب منه بضيق، وقد يكون السبب الأول لهذا الضيق هو أنكِ قُلتِ كل حديثكِ باللغة الانجليزيّة الجيّدة السليمة النُطق.. أما السبب الثاني فهو إحساسي بأنني أصبحتُ عندكِ مُجرَّد تعويذةً تجلِب لكِ الحظ.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX