امرأة مغرورة (3)
ولم أشعر إلّا ويدي
ترتفع وتهبط على وجهكِ الجميل النبيل بصفعةٍ مدوّية. وغادرت المكان مُرتجفاً من
الغضب تاركاً الجميع مُغرَقين في الصمت والدهشة، وعندما وصلت إلى البيْت ارتمَيْتُ
على الفِراش مُنهاراً.. كنتُ أشعر بحُزنٍ شديد.. فقد عزّتْ عليَّ نفسي أن تُهان بين
طبقتكِ الوضيعة.. العالية اسماً، الوضيعة فِعلاً.
لقد كنتُ أشعرُ أني
المسئولُ عمّا حدث فقد كان أولى بي إلّا أزج بنفسي في وسطك الفاسد المغرور.. وإن أربأ
بها عن الهوان بين هؤلاء الرُقعاء المُخنّثين.
يا للحُمق
والغباء! كيف صوّر لي الوهم.. أنكِ شاعرةً مُرهفة الحس.. وكيف أضعتِ وقتي في قراءة
ما قرأتُ وشرْح ما شرحت؟!
ومرّت الأيّام
بعد تلك وأنا أُحاول تضميد جِراحي.. جِراح القلب المطعون.. والكبرياء المهيضة
(المكسورة العاجزة).. وحاشاي أن أزعُم أني ضمّدتُ جراحي ببساطة.. وأنني لفظتُكِ
بسهولة.. أو لفظتُ النواة، لقد كانت عملية نِسيانكِ واحتمال هجركِ شاقّةً مُضنية..
ولكني تحملتُها بجَلَد.. حتى كدتُ أنساكِ، ولكنكِ عُدتِ تنكئين (تنبشين) الجَرح.. وتُرسلين
لي مع بعض الأصدقاء مَن يُخبرني أنك تودّين رؤيتي، وبدا لي أنكِ تُحاولين الثأر..
وأنكِ مُصمِّمةٌ على رَد الصفعة التي هويْتُ بها على خَدِّكِ النبيل في تلك
الليلة.. فلم أرِد أن أُعطيكِ الفُرصة.. وصمَّمتُ على ألّا ألقاكِ قَط.
وعادت الوساطة في
الرجاء.. فزادت بي الشكوك وأيْقنتُ أنكِ لا بُدَّ مُعِدّةٌ العُدّة لرد الصَفعة،
فزِدتُ إلحاحاً في القطيعة.
لقد كنتُ أعتبر
كل ما بيننا قد وصل إلى نهايته وأنه لا فائدةَ في أن آمُلَ في مثلكِ خيْراً بعد ما
كشفتِ عن نفسيّتك.
وبلغنى بعد ذلك
أنكِ مريضة وأنكِ تطلبين أن أُحضِرَ لكِ رُباعيّات "الخيّام" لأقرؤها لكِ،
فضحكتُ ساخِراً.. ورددتُ على مَن أبلغني بذلك الرد الشهير الساخر: «تانى؟!!».
لقد كنتُ مُصمِّماً
على أن أقلبَ حُبي لكِ كُرها.. وكنتُ أحسُّ أني أفلحتُ في ذلك؛ حتى وصلتني منكِ
رسالةً قلبت مشاعري رأساً على عقب.. فتحتُ الرسالة فإذا بها مكتوبةٌ بالإنجليزية وإذا
بها ما يلي:
{... أُعذُرني إذا
ما كتبتُ إليك بالإنجليزية.. فأني أريدُ أن أكتب لك أشياءً دقيقة.. لا أظُنني
أستطيع أن أُعبِّرَ عنها باللغة العربية.. وليس الذنب ذنبي إذا لم أستطِع ذلك.. بل
ذنب أولئك الذين علّموني.. وجعلوني بطريقة تعليمهم أشبه بأجنبيةٍ غريبةٍ في بلدي..
أجل.. إن الذنب ليس بذنبي.. وليس أدل على ذلك من أن تعرف أنه عندما تُرِكَ لي الأمر..
أني أقبلتُ على قراءة العربية... وأنني رغم ضآلة معلوماتي فيها قد قرأتُ جميعَ مؤلَّفاتك
بها.. وليس أسهل عليَّ من أن أُثبِتَ لك ذلك... فأسرِد لك رأيي فيها ومُلاحظاتي
عليها.. ولكن لا أظن هذا وقته.. بل يكفي إن تُصدِّقني وتثقُ في قوْلي.. وإلّا ذهب
كل كلامي سُدى.. وضاعت مُحاولتي أدراجَ الرياح.
أني أُريد منك
الثقةَ بي وتصديق كل ما أقول، ولن يزيدَ ما أقول عن بِضع كلمات: إني أُحبُّكَ.. وأُريد
إن أراك.
راقدةٌ كما أنا
مُسجاةً على فِراش المرض.. وبجواري كوْمٌ مُكدَّسٌ من كُتبك التي التهمتُها واحداً..
واحداً.. وأنا التي كنتُ أكادُ لا أقرأ الصُحُف والمجلات. راقدةٌ مُتعبةٌ مُنهكةُ
الأعصاب خائرةُ القِوى.. قد ألحَّ عليَّ المرض.. لا يكاد ذِهني يذكر سواك.. ولا
تكاد عيْني - مفتوحةً أو مُغْمَضةً - تُبصِر غيْرك.
لستُ أدرى.. كيف
حدثَ لي هذا؟.. أهيَ كُتُبك.. وطريقة تفكيرك.. وفيْض مشاعرك؟ أهوَ المرضُ المُلِحُّ
الذي تركني أشبه بالصَرعى؟.. أهي الذكريات الحلوة الهادئة الشاعريّة؟.. أم تُراها
الصفعةُ التي أدمَيْتَ بها خَدّي وأعدتَني بها إلى صوابي؟ لستُ أعتِبُ عليك.. فقد
تقادمت مرحلة العِتاب.. وباتَ كل ما أحسّه لك لهفةً عليك.. وحنيناً إليك.
لقد صنعتَ منى
مخلوقةً جديدة.. أو أعدتَني إلى معدني الطيّب وأزلتَ من نفسي شوائبَ الوَسَطِ
الخبيثِ الذي أحيا فيه.
نفسُك الطيّبة،
وخلقك القويم، وكتابتك العجيبة، وصفعتك وهجرك.. كل ذلك صهرني وطهّرني.. إني أحبُّك..
وأُريدُك.. لنبدأ معاً عهداً جديداً.. ولا أظُنُّك تخذِلني.. وأنت الرقيق الكريم..
بعد كل ما قلت لك. أرجوك.. تعال}.
*****
ولم أخذلكِ..
فقد صفحتُ عنكِ وسعيْتُ إليكِ بعد أن أذابتني رسالتك، ولكنكِ..... أنتِ التي
خذلتيني..... فرحلتِ قبل أن أصل لكِ.
لقد أوْدت بكِ
العِلّة، فلم تُمهِلْكِ حتى أراكِ، لقد تعجَّلتِ الرحيلَ يا مُنية النفس.. فلم
تنتظري حتى تسمعي استغفاري وتُبصرين ندمى على عِنادي وعلى هجركِ.. لقد دعوْتِني
للمجيء.. فماذا كان عليكِ لو انتظرتِ وصولي؟، فيمَ التعجُّل.. يا حُلوة الروح..
وانتِ الداعيةُ اللَهفى المُتشوقة؟، وإلى أين يحملونكِ هؤلاءِ القُساةُ الغِلاظُ
الأكباد؟
أهكذا بِتُّ لا
أملِكُ لكِ إلّا خطواتٍ قصاراً أسيرُها وراءكِ وسط هذا الحَشد من الباكين؟
أهكذا لا يملك
عابدُكِ إلّا جلسةً صامتةً أمامَ قبركِ.. يكتم لوعته ويحبس دمعه.. ثم يعود في بهمة
(حلاك وسواد) الليل كالأشباحِ السارية مُستغفِراً نادماً.. يحرقه الشوْق.. ويلهبه
الأسى.....
يقرعُ السِنَّ (يصك
على أسنانه دليل الندم والتحسُّر) على أن لم يكُنْ..
زادَ في تِلك
الخُطى إذ شيّعك (أي أنه يندم على أن الخطوات لم تزِد أثناء تشييع جنازة المحبوب
حتى مثواه الأخير).
