خبر
أخبار ساخنة

صورة واحد دكتور عيّان (2) | صور مشقلبة | د. أحمد صادق


طبيب يدرس للطلبة ويصرخ فيهم ليفهموا الدرس وهو يمسك عصا ويشير بها للسبورة

صورة واحد دكتور عيّان (2)

 

 

الجمعة:

في طريقه لصلاة الجمعة مرَّ العميد من أمامي ونظر إليَّ شزراً وأنا جالسٌ على سيّارته وبجانبي الجركل، وعندما عاد من المسجد وجدني أيضاً فطأطأ رأسه ونظر لي مُتخاذلاً ثم ابتعد بنظره عني ونظرَ لموْضِع قدميْه.

من بعد صلاة الجمعة وحتى صباح اليوْم التالي وأنا جالسٌ نفس الجلسة مُشعِلاً السيجارة تِلو الأخرى دون حتى أن آكلَ أو أشرب، وبين الحينِ والآخر يُطِلُّ العميدُ من شُبّاكه فيتأكَّد من وجودي ويتيقَّن من إصراري على تنفيذ تهديدي إذا خلفَ وعدَه ممّا زاده ارتعاباً وخوْفاً من انتقامي الموْعود وبدا أنه سيرضخ لطلبي العادل حتى لوْ أغضب زميله الأستاذ وابنه.

السبت:

بعد مواعيد العمل الرسميّة خرج العميد من باب الكليّة ووصل لسيّارته وقال لي وأنا أقومُ من عليها:

  - خلاص يا "نور" أنا عدِّلت القرار وعيّنتك في قسم "الهيستولوجي" .. تقدر تستلِم الشُغل من بكره بَس على الله تبطّل لِعب العيال بتاعك ده .. على فكرة أنا عملت كده علشان ده الصح مش علشان خايف منّك .. ولوْ لقيت تقييمات أساتذتك لشُغلك ضعيفة مش ح ارحمك.

وركب العميد سيّارته مُنكسِراً وخلّفني وراءه وقد تأكّدتُ أن التعامُل في الجامعة - أو في الحياة عموماً - يحتاج الشخص الشرس العنيف الذي يُحيط نفسه بهالةٍ من الصرامة ليأخذ حقّه بذراعه درءاً لظُلم الناس المُحتَمَل له.

وقد جعلني هذا الموقف عدوانيّاً أتعامل مع الجميع من حولي بجفافٍ وفَظاظةٍ وغِلظة لأحمي نفسي منهم تبعاً لمقولة "الهجوم أفضل وسيلة للدفاع" أو مبدأ "خدوهم بالصوت ليغلبوكم" ممّا جعلَ أغلبهم يتحاشى الاحتكاكَ بي منعاً للإحراج أو التعرُّض لسلاطة لِساني أو طول يدي.

الثلاثاء:

يتصادف اليوْم ذِكرى مرور تِسع سنواتٍ على تعييني كمُعيدٍ بالجامعة وها أنا اليوْم قد أصبحتُ مُدرِّساً مُساعداً بدرجة استشاري بقسم العناية المُركّزة بمستشفى الجامعة، ولكني ما زِلتُ غيرَ سعيدٍ بحياتي رغم أني تزوّجتُ وطلّقتُ نساءً كثيرات وعِشتُ أغلب أيّامي في رغَدٍ واستمتاعٍ بملذّات الحياة رغم تعرّضي لبعض المُضايقات من بعض رؤسائي وبعض زُملائي بالعمل ولكني أوْقفتهم كلَّهم عند حدِّهم وكففتُ أذاهم عني بالتعدّي عليهم إمّا قوْلاً بلساني أو فِعلاً بيدي فما استطاعَ أحدهم أن ينالَ مني، فهم ببساطة "ناس تخاف ما تختشيش"، وقد نجحتْ طريقتي في كل مرّة كنت أستعملُها مع هؤلاء وغيْرهم ممّا شجّعني على المُضي قُدُماً في احتقار الناس ومُعاملتهم بطريقةٍ ساديّةٍ تُلحِق بهم الأذى والإهانة والإذلال، وفي المُقابل فقد كانوا يقابلون ذلك بالارتياح والامتنان بل وأحياناً بالشعور باللذّة ربما لأنهم من أجناسٍ عربيّةٍ وأفريقيّة يُعانون أصلاً من المازوخيّة التي يتعلّمونها من أهاليهم الذين يُعامِلونهم بقسوةٍ مُفرطةٍ في الصِغَر فتعوّدوا عليها عند الكِبَر فصاروا يحترمون الشخص الشرّير الطالح الذي يحتقرهم ويحتقِرون الشخص الطيّب الصالح الذي يحترمهم!  

وأرسيْتُ لتلاميذي في الجامعة مبدأ "اللي عايز يتعلّم لازم ياخد مع العِلم تهزيق وقِلّة قيمة لإن المعلومة بتوْصل للطالب أسرع بالشتيمة وأحياناً تكون أسرع وأسرع بالضرب وخصوصاً على القفا"، وأمّا مرضاي فقد كُنتُ أعاملهم إنطلاقاً من مبدأ "المريض جزمة ابن كلب حتى يثبُت العكس" على غرار المبدأ القانوني "المتهم بريء حتى يثبُت العكس"، ولشَدَّ ما أدهشني صِدق هكذا مبدأ عندما طبّقتُه بالفِعل!، فقد كنت أعطي المريض وأهله فوق دماغهم وهم يُسبِّحون بحمدي ويُثنون على مهارتي ويأتون لي بأهليهم ومعارفهم لأُباشِر علاجهم ممّا شجّعني على أن أتقاضى كشفي بآلاف الجُنيْهات فابتدعتُ مبدأً يخصُّني وحدي: "العيّان زي طابع البوسطة .. كل ما تتُف عليه يلزق أكتر"، ورغم كل هذا النجاح الباهر لأسلوبي ومنهجي فما زِلتُ لا أشعُرُ بالرِضا بل أشعُرُ بالبؤسِ والشقاء.

 

 

google-playkhamsatmostaqltradent