صورة واحد دكتور عيّان (3)
الأحد:
وعندما زاد إحساسي بالتعاسة واقتربتُ من الاكتئاب لجأتُ لأحد أصدقائي وكان طبيباً نفسانيّاً ماهراً واستشاريّاً مشهوراً في عِلم النفس (السايكولوجي) فأجلسني على الشيزلونج الطويل بعيادته الخاصّة وأطال في أسئلته واستفساراته لي وأسهبت أنا في إجاباتي وعرض آرائي ومُعتقداتي عليه، ولكنه فاجأني بأنه قد حلّل شخصيّتي في النهاية وقال لي دون مُقدِّمات:
- بُص يا "نور": أنا مش عارف أجيبها لك إزّاي .. بس م الآخر كده إنت بقيت شخصيّة دوجمائيّة (Dogmatic Personality) وعندك عُقدة المُخلِّص أو المُنقِذ أو عُقدة المسيح (Savior Complex) ومُصاب بالنرجسيّة (Narcissism) وشكلك كده داخل في الإصابة بأوْهام العَظَمة (Megalomania) وجنون الارتياب (Paranoia).
فابتسمتُ مُستهزِئا بكلامه، ولكن الفضولَ تملَّكني فسألته:
- طبعاً إحنا كُنّا دارسين الحاجات دي زمان .. بَس ما فيش مانع تشرحها لي بالتفصيل علشان افتكرها.
فأجابني وهو يهمس في صوْتٍ خفيضٍ مَبحوحٍ كفحيحٍ الأفعى:
- الشخصيّة الدوجمائيّة دي بتميّز الشخص ذو الجمود الفِكري اللي بيتمسِّك بأفكاره ومُعتقداته لدرجة التعصُّب ورفض الاستماع لآراء الآخرين حتى لو كان عندهم أدلّة قاطعة تثبِت خطأ كلامه وصحة كلامهم، والشخص ده بيبقى عنده انغلاق معرِفي يعني بيرفض أي أفكار منطقيّة بتتعارض مع قناعاته، وعنده اعتقاد راسخ بإن أفكاره هي حقيقة مُطلقة غير قابلة للنقاش وإنه على حق وغيره على باطل، وعنده تسلُّط واستماتة ف الدفاع عن آرائه وبيقاوم أي آراء مُخالفة، وما عندوش تفكير نقدي يعني بيستجيب لكل وِجهات نظره اللي بتيجي على باله من غير ما يحلِّلها حسب العقل والمنطِق.
ورددتُ عليه بمنتهى البرود وبلا أي اكتراث:
- ها .. وإيه كمان؟
- أمّا عُقدة المُخلِّص فدي بقى حالة نفسيّة بتخلّي الواحد يحِس إنه الشخص الوحيد في الدنيا اللي يقدر يصلّح كل المشاكل ويشفي كل الأمراض ويغيّر حياة الناس للأفضل فبيندفع بشكل قهري ويتدخَّل لإنقاذ الآخرين وتقديم النصائح والحلول لهم حتى لوْ ما طلبوش منه ده، والعُقدة دي بتنشأ بعد التعرُّض لصدمات في الطفولة أو بعد تحمُّل مسؤوليّات كبيرة في سِن مبكّرة.
- وبعدين؟
- والنرجسيّة زَيْ ما انت عارف هو الحُب المُفرِط للنفس وشعور الشخص بإنه بالغ الأهميّة ويستحِق مُعاملة خاصّة ودَلَع من كل اللي حواليه وبإنه مِحوَر الكون كُلُّه وبإنه مُميّز وما فيش منه ف الدنيا اتنين وبإنه بيستغل الآخرين وبيستنزفهم لتحقيق مصالحه الشخصيّة وبيثور بشِدّة لوْ حَد انتقده.
- يا نهار اسود .. ده انت شرّكتني خالص .. إنت ياض عايز تطلّعني مجنون؟! .. أنا شكلي غلطت لمّا جيت لدكتور حمار زايّك .. ده انت اللي مريض نفسي مجنون ومتعقَّد مني أصلاً .. صحيح "كلِّم العايبة تِلهيك .. واللي فيها تجيبه فيك".
- يا "نور" ما فيش داعي للغَلَط .. أنا باقول لك حقيقتك علشان تواظب ع العلاج والمُتابعة معايا قبل ما تبقى أسير أوْهام العَظَمة اللي تخلّي عندك إحساس بالقوّة الطاغية والتفوّق غير المسبوق والأهميّة الزايدة والقُدرات الخارقة وكأنك نبي أو إله .. والدليل على كده إنك رايح فعلاً على جنون الارتياب اللي مخلّي عندك عدم ثِقة فيَّ وشكوك ناحيتي وخوف غير مُبرّر مني وفاكر إني بتآمر عليك رغم إن نيّتي مش وِحشة زي ما انتَ فاكِر .. بالعكس أنا عايز أساعدك واللهِ .. هات إيدك وخلّينا نعدّي المِحنة دي مع بعض.
- عاوز أيدي .. طب قرّب .. خُد.
ونهضتُ من الشيزلونج ووقفت فاقترب مني، وفجأة أعطيْتُه صَفعةً قويّةً على وجهه جعلتْه يرتمي على الأرض من هوْل المُفاجأة وشِدّة الصفعة، فنظرتُ إليه باشمئزازٍ وتقّزُّز صائحا فيه:
- مش عايز اعرفك بعد كده .. وما تورّينيش وِشّك تاني .. عشان لو لمحتك ح اناولك قلم زي ده .. وأحسن لك تِنسى كل الكلام اللي اتقال بينّا ده الوقت .. ومن غير سلام.
