أنا الفَذُّ الذي لا يرتجيكم
سَتَكْتُبُنِي المَحَابِرُ وَالمِدَادُ ... وَيَشْهَدُ لِي النَّقَاءُ بِمَا أُعَادُ
اسْتَعِدُّوا لِلْقَصِيدِ إِذَا تَشَظَّى ... فَإِنَّ الصَّدْرَ بُرْكَانٌ يُقَادُ
أَنَا النَّقِيُّ المُلَاعِبُ كُلَّ هَوْلٍ ... إِذَا جَارَ الزَّمَانُ وَعَاثَ عَادُ
أَنَا الفَذُّ الَّذِي لَا يَرْتَجِيكُمْ ... غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ، وَالعِزُّ صَادُ
رَحَلْتُ إِلَى اعْتِزَالِيَ دُونَ خَوْفٍ ... فَعِزُّ المَرْءِ تَبْنِيهِ البِلَادُ
تَرَكْتُ لَكُمْ ضَجِيجَ الزَّيْفِ عَمْداً ... فَفِي صَمْتِي عَنِ العُورَانِ زَادُ
نَفَيْتُ النَّفْسَ عَنْ دَنَسِ البَرَايَا ... وَقَلْبِي فِي المَحَارِيبِ يُجَادُ
تَقَاتَلْتُمْ عَلَى وَهْمٍ تَبَاهَى ... بِهِ الأَعْمَى وَلِلْجَهْلِ انْقِيَادُ
تَمُدُّونَ الكُفُوفَ لِسَفْكِ دَمٍ ... وَكُلٌّ يَدَّعِي: “حَقِّي الرَّشَادُ”
أَصَارَ القَتْلُ مَفْخَرَةً وَنَصْراً ... وَفِي ذَبْحِ النُّفُوسِ لَكُمْ أَعْيَادُ؟!
فَلَا شَرْعٌ يُجِيزُ لَكُمْ جَحِيماً ... وَلَا رَبُّ السَّمَاءِ لَهُ ارْتِدَادُ
أَخَذْتُمْ بِـ اليَدَيْنِ قِصَاصَ جَهْلٍ ... فَضَاعَ العَدْلُ وَانْهَدَّ السِّـنَادُ
إِذَا سَادَ الرَّعَاعُ بِكُلِّ أَرْضٍ ... فَعَلَى الأَخْلَاقِ وَالدُّنْيَا الحِدَادُ
وَمَشْيَخَةٍ يَبِيعُونَ الشَّرَائِعْ ... لِأَجْلِ مَالٍ وَالنَّفْسُ المَفَادُ
لِبَاسُ الطُّهْرِ فَوْقَهُمُ رِيَاءٌ ... وَفِي الأَعْمَاقِ جُوعٌ وَارْتِيَادُ
يُنَادِي بِالهُدَى شَيْخٌ مَرِيضٌ ... وَأَمْوَالُ النَّاسِ لَدَيْهِ السَّدَادُ
فَلَا تَبْذُلْ عُلُومَكَ لِلْجَهُولِ ... فَإِنَّ الدُّرَّ يَكْرَهُهُ الجَمَادُ
بَوَاطِنُكُمْ بِمَا فِيهَا سَتَنْضَحْ ... فَلَا يُخْفِي السَّوَادَ لَكُمْ سِوَادُ
فَإِنْ خُبْثاً يَسِيلُ الخُبْثُ نَهْراً ... وَإِنْ شَهْداً فَمَذْهَبُهُ الوِدَادُ
غَدَا الصَّادِقُ فِيكُمُ مَجْنُونًا ... وَخَائِنُ عَهْدِكُمْ فِيكُمْ عِمَادُ
عَبَدْتُمْ شُهْرَةً وَالمَالَ دِينًا ... وَرُوحُ المَرْءِ يَطْوِيهَا المَزَادُ
تَبِعْتُمْ كُلَّ ذِي صَوْتٍ عَنِيفٍ ... وَأُخْرِسَ عَقْلُكُمْ وَالعَقْلُ هَادُ
يَمُوتُ المَرْءُ مَهْمَا نَالَ مَالاً ... وَيُحْشَرُ عُرْيًا وَالقَبْرُ المِهَادُ
وَطَعْنَةُ صَاحِبٍ كَانَتْ أَشَدًّاً ... مِنَ الأَعْدَاءِ إِذْ ثَارَ الجِلَادُ
دَوَائِرُ هَذِهِ الأَيَّامِ تَدُورْ ... وَمَنْ يَسْقِي المَرَارَةَ يُسْتَفَادُ
فَلَيْسَتْ هَذِهِ الدُّنْيَا خُلُوداً ... وَكُلُّ مَظَاهِرِ الأَيَّامِ رَمَادُ
سَأَرْحَلُ عَنْكُمُ وَمَعِي قَصِيدِي ... زَلَازِلُ هَدَّهَا الحَقُّ المُرَادُ