خبر
أخبار ساخنة

صورة واحد دكتور عيّان (1) | صور مشقلبة | د. أحمد صادق


رجل يجلس فوق سيارة يشرب سيجارة وبجانبه جركل بنزين

صورة واحد دكتور عيّان (1)

 

 

الاثنيْن:

الحمد لله .. ظهرت اليوْم نتيجة السنة النهائيّة لبكالوريوس الطب وقد أشارت أنني نجحت بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف ممّا يضمن لي مكاناً وسط هيْئة التدريس بالكليّة .. أخيراً بقيت دكتور، وكمان مُعيد بالكليّة.

الخميس:

انعقد مجلس الكليّة واعتمد تعيين المُعيدين الجُدد، ولدهشتي الشديدة لم أجد اسمي بينهم ممّا أثار حفيظتي وجعلني أنتش الورقة المكتوب بها هذا القرار الجائر وأمزّقها شر تمزيق ثم أُلقيها في وجه مَن حوْلي، واحتواني أحد زُملائي في حضنه صائحاً:

- معلهش يا "نور" .. أصل الكليّة دي ماشية بالكوسة يا  حبيبي.

- يعني ينفع كده؟! .. يعيّنوا مكاني واحد جاي بعد مني ف الترتيب .. إكمنّه يعنى ابن أستاذ ف الكليّة .. ولاد الكااااااالب.

- بلاش العصبيّة بتاعتك دي علشان ما تضيّعش حقّك .. قدّم تظلُّم للمجلس وشوف ح يعملوا معاك إيه الأوّل.

وذهبت لسكرتيرة العميد وكتبت عندها "طلب التماس" لتصحيح وضعي وإنصافي.

الخميس:

ذهبت للسكرتيرة لأُتابعَ طلبي فأبلغتني برفضه شكلاً وموْضوعاً فثارت ثائرتي ولم أشعر بنفسي إلّا وأنا أقتحم حجرة مكتب العميد الذي نهض مفزوعاً من على كرسيه الوثير قائلاً:

- إيه ده؟! .. إنت مين وازّاي تدخل عليَّ بالمنظر ده؟

دفعتُ السكرتيرة - التي كانت تحاول منعي من اقتحام الحجرة - للخارج وأغلقت باب الحجرة من الداخل بالمفتاح الذي كان موجوداً مكانه، واقتربتُ من العميد الذي أصبح محبوساً معي في الحجرة وقد اصفرَّ وجهه وجحظت عيْناه ووقفت بقايا شعر رأسه من الخوْف عندما رآني على هذه الحالة وأصغى إلى كلامي مُنتبهاً، واقتربتُ أكثر فأكثر من الرجل المرتَعِد الذي شعرَ بحرارة أنفاسي المُتلاحِقة تلفح وجهه وأنا أُصِرُّ على أسناني وأقول له في تهديدٍ واضحٍ ولكن بصوْتٍ خفيضٍ مليءٍ بالإصرار وتفوح منه رائحة الخطر:

- أنا "نور عوَض" اللي كلتوا حقّي وعيّنتوا ابن زميلكم على قفايا .. وحياة أُمّي ما ح اسيبكم.

- إنت ممممممـ .. مجنون .. بتبرّق كده ليه .. إعـ .. إعـ .. إعقل يا ابني وانا ح اعمل لك الللللـ .. اللي انت عايزُه .. حا .. حاضر.

- أنا مش عايز غير حقّي .. إنت ما تعرفنيش .. أنا مجنون ابن مجنونة .. أنا لو ما اتعيّنتش مُعيد بما يُرضي الله ح اولّع ف عربيتك بجاز وسخ واولّع في بيتك وعيادتك وف الكليّة كمان وبعدين ابقى اولّع ف نفسي .. لو راجل بقى مَشّي قرار التعيين وشوف ح يحصل لك إيه بروح امّك.

واشتد صُراخ السكرتيرة وأخذتْ تطرقُ على الباب من الخارج بكل قوّة فتجمّع بعض الموظّفين وحاولوا كسر الباب لإنقاذ العميد من تحت يدي، ولكن العميد قال لهم بصوْتٍ عال:

- بطّلوا خبط ع الباب.

وأسرع بفتح الباب وقال لهم بحَزم وهو ينظر إليَّ بعيْنيْن زائغتيْن مذعوراً مني:

- فيه إيه؟ .. ما لكم؟ .. دددد .. ده مُعيد جديد جاي يفضفض معايا بكلمتين علشان .. أأأأأ .. أعصابه تعبانة شويّة .. روحوا على مكاتبكم يلّا .. يلّا.

وأخرج المفتاح من مكانه فوضعه في جيْبه ثم أغلق الباب برِفقٍ وقال لي وهو يعود لكُرسيه مُتحاشياً الاقتراب مني:

- جرى إيه يا ابني! .. فيه حَد يعمل كده!!! .. ده احنا ح نبقى أعضاء ف هيْئة تدريس واحدة؟ .. ما كنت طلبت مقابلتي وشرحت لي مُشكلتك بالرّاحة .. يعني يصح كده؟

فأجبته في هدوءٍ مُصطنع:

- ما انا قدّمت التماس واترفض .. أعمل إيه تاني؟.. خلاص .. أنا مش باقي على حاجة.

فتشجّع الرجل وربّت على كتفي مُطَمئِناً:

- طب اقعُد اقعُد .. إنت عارف إن أبناء الأساتذة لهم الأوْلويّة ف التعيين.

فقمتُ من فوْري وأنا أرفعُ سبّابتي اليُمنى مُهدِّداً وقبل أن أنبس ببنت شفة عاجلني بقوْله:

- بَس بَس .. إهدا كده وانا ح اشوف الموضوع ده .. المجلس ح يجتمع تاني بعد بُكرة السبت .. ربّنا يسهِّل.

وانصرفتُ من مكتب العميد بعد إصراره على احتسائي كوباً من عصير الليمونادة المُثلّجة حتى تهدأ أعصابي الثائرة الفائرة، وذهبتُ من فوْري لمحطّة الوقود واشتريْتُ جركل بنزين وعلبةً من السجائر وولّاعة، واتجهتُ حيث سيّارة العميد فجلستُ فوْقها ووضعتُ الجركل بجانبي وأشعلتُ سيجارة، وعندما خرج العميد من الكليّة فوجئ بي وأنا على هذه الحال فاقترب مني وهمسَ في أُذُني:

- ما انا قُلت لك يا "نور" يا ابني إني ح ابحث موْضوعك .. ما فيش داعي للحاجات دي.

فنظرتُ مُحملِقاً فيه وأخذتُ جركل البنزين وتحرّكتُ ببطءٍ وأنا أبتعد عن السيارة حتى وقفتُ على بُعد أمتارٍ منه دون أن أشيحَ بنظري عنه، فاستقلَّ الرجلُ سيّارته وهو يرتعش.

وفي المساء وبعد أن فرغ من عمله وجدني العميد أنتظره عند السيّارة وأنا على نفس الشاكلة وجركل البنزين بجانبي والسيجارة المُشتعلة في يدي فنظرَ إليَّ مترقّباً بحذّر فاستقلَّ  سيّارته وانصرف وأنا أُثبِّت نظري عليه.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent