امرأة منتقمة (3)
تلك
يا سيّدي هي الرسالة التي تركها وَلَدي.. أو الطعنةُ الثانيةُ التي وجَّهها القَدَر.
ولستُ
أكتُمُكَ القوْلَ إنها - رغم كوْنها شرَّ ما يُمكِنُ أن تُصابَ به زوْجة - لم تُروِّعني
كثيراً، فقد تركتني الصدمةُ الأولي - موتُ وَلَدى - وأنا في حالةِ ذهول وأصابتني
بألَمٍ جعلَ كل ألمٍ غيْره يتضاءل.. أو قُلْ إنها قتلَتْني "وما لجُرحٍ بميّتٍ
إيلام".
وهكذا
مضت الأيّام الأولي عقب الحادث وأنا في شِبه إغماء، لا أكاد أهتمُّ لشيْءٍ أو أحس
بشيْء، حتى بدأتُ أفيقُ لنفسي وأتطلَّع حوْلي فإذا بي أوشِكُ أن "أسلبَ الطيْر
الآخر" (عبارة تشير إلى شبه
الإغماء وحالة السكون والخَرَس التام).
وأحسستُ
بكُرهٍ شديد لتِلك المرأة التي أصابتني بتلك النوازلَ والكوارث.. والتي سلبتني أعزَّ
ما لديْ.. وَلَدي وزوْجي.. ووجدتُني
أقفُ أمامها وحيدةً عَزلاء.
وفي
ذاتِ يوْمٍ صمَّمتُ على أن أُنهيَ الأمر وأن أذهبَ لمُواجهتِها.. وأُريها الرسالةََ التي تركها لها وَلَدى،
وأسألها أن ترحمَني.. وتتركُ
لي زوْجي.
وذهبتُ
إليها، وطرقتُ بابَها.. وأنا أحسُّ أني ذليلةٌ كسيرة.. كأني سائلةٌ أستجدي.
ورأيْتُها
لأوّل مرّة: مخلوقةً صغيرةً تملِكُ أمضى وأفتكَ ما تملكه امرأةٍ من روْعةٍ وفِتنة.
وبدأتُ
حديثي معها في لهجةٍ مُستعطِفةٍ مُتوسِّلة.. وهي تَضِعُ ساقاً على ساق، وتتشاغلُ
بتمشيط شَعرها واعطيْتها الرسالة، فأخذَتْ
في قراءتِها دونَ أن يبدوَ على وجهِها أيُّ علامةٍ من علامات الحُزن والتأثُّر.
وأخيراً
رفعَتْ حاجبيْها وتساءلَتْ في دَهشة:
-
لست أدري ماذا تُريدين؟
-
أُريدُ زوْجي.. رُدّيه لي.. يكفي أني فقدتُ ابني.
-
اسمعي يا سيّدتي.. أنا لستُ مَسئولةً عن كل إنسانٍ
ينتحر، ولا أستطيعُ أن أمنعَ إنساناً من حُبّي.. هل تُريدينَ أن أفعلَ لكِ شيْئاً
بعد هذا؟
وأحسستُ
أن قوْلَها قد مزَّقَ حشاي.. وعَزَّتْ عليَّ نفسي أن أهينَها إلى هذا الحَد، ولم
أستطِع سِوى النهوضِ والانسحاب ذليلةً كسيرة.. كما أتيت.
يا
للقَدَر العجيب! ألم تجد هذه المَخلوقة مَن تُسلِّط عليه سياطها سواي.. ألم تجِد
من هؤلاءِ البَشَر سوى ولدي وزوْجي؟ ورفعتُ بَصَري وأنا أُغادر الغرفة.. فواجهتني
صورةُ امرأةٍ مُعلَّقةٍ بالجدار، وأحسست من مرآها برجفةٍ تسري في بدني، ووجدتُني
دون تفكيرٍ أسأل عمَّن تكون، فأجابتني المرأة في شيْءٍ من التعجُّب:
-
إنها أُمّي.. أتعرفينها؟
أمها!!
ورأيْتُ الأعوام تَتْرى أمامي، وإذا بالماضي يتجدَّد، كيف لا أعرفها وقد نزعتُ
منها خطيبَها في زمنٍ مضى.. لقد سلبته منها بعد أن أحبَّ كِلانا الآخر ولم تكُن قد
مَضَتْ بضعةُ أشهُرٍ على خِطبته لها.
أجل..
لقد كان زوْجي الذي انتزعَتْه منى هو نفسُ الخطيب الذي انتزعتُه أنا من أُمّها في زمنٍ
مضى.
وتذكرتُ
نصيحةَ أُمّي يوْمذاك وتحذيرَها إيّأيَ بألّا أتزوْجه.. ولا أسلبه من خطيبته، وقوْلَها:
-
أن الظُلمَ لا بُدَّ مردودٌ ولوْ بعد حين.
أن
القَدَرَ لم ينسَ
فِعلاً.. بعد ثلاثين عاماً.
وخرجتُ
أتعثَّرُ في أذيالي محنيّةَ الظَهْر، مُطاطِئة الهامة.
اللهمَّ
هِبنا من لَدُنكَ رحمةً واغفرْ لنا، واعفُ عنّا.
لقد
كانت المسألةُ كُلَّها لا تعدو أن تكونَ ثأراً قديماً.
