امرأة منتقمة (2)
هوَ
يقتُلُ نفسه؟! الإنسان القرير السعيد.. الشديد الإيمان والقوي الأمل.. ينتحر؟ كيف؟!!..
كيف يمكن أن يفعلَ هذا..؟
لقد
كان مَثَلاً لإنسانٍ سعيد وما أحسستُ قَط أنه يشكو ألماً أو يُضمِرُ في نفسه حُزناً..
أيمكن أن يكونَ قد انتحر بسبب مَن يُحبُّها؟.. لا.. لا.. إن ولدي لا يمكن أن يُقدِم
على ذلك، ومع هذا..
فقد حملَتْ إلينا الرسالةُ التي تركها قبل أن يموت الجوابَ القاطع بأنه أنتحر.. من أجل امرأة؟
لقد
كانت الرسالة تحمل لي الصدمة الثانية.. لقد وجدوها في ثيابه وكانت مُوجَّهةً إلى صاحبته
وكان بها ما يلي:
"عزيزتي:
أكتب إليكِ لأقولَ لكِ كلمتي الأخيرة قبل أن أُفارِقَ الحياة.. لقد حزمتُ أمري على
الانتحار، ولو تنبّأ لي إنسانٌ قبل اليوْم بأني سأموتُ مُنتحِراً لرمَيْتُهُ بالجُنون..
ولقلتُ أنه إنسانٌ مُخرِّف.. فما احتقرتُ في حياتي إنساناً كالمُنتحِر.. ولكني الآنَ
أحس أن من الغباء أن نبقى على قيْد الحياة.. قولوا إنني جبان واتهِموني بما شِئتم..
فما عدتُ أعبأُ بكم وبدُنياكم.. لقد أضحيْتُ إنساناً يائساً.. يائساً من كل شيء.
لقد
أحببتُكِ، وما بي من حاجةٍ إلى أن أُخبرَكِ بمَدى حُبّي لكِ.. لأنك تعرفينه خيْرَ
معرفة.. ولأني لم أكتُب هذا لأشرح لكِ حُبّي.. بل لأُخبِرَكِ برأيي فيكِ.. لقد أحببتُكِ حُبّاً من
نوْعٍ لم أعهده في نفسي.. حُبّاً مِلؤه الاحترام والثقة.. وأحسستُ أن نفسي قد شُدَّتْ
إليكِ، وأن مصيري قد ارتبط بمصيركِ، وأضحيْتُ أُنظِّمُ حياتي باعتبار أنكِ قد بِتِّ
جُزءاً منها، وأن أحدَنا لم يعُد له عن الآخر غِنى.
ولستُ
أزعمُ أني أربأُ بالمرأة عن الخيانة.. وأتوقَّعُ منها الطُهْر والعِفّة، فأنا شديدُ
الخِبرة بخيانة النِساء.. ولكن أنتِ!.. أنتِ بالذات؟!!.. كنتُ أتوقَّعُ منكِ أن تكوني
خيْراً ممّا كنتِ.
كنتُ
أضِعُكِ فوْق مُستوى البَشَر، ورغم
كل هذا.. ما أظُنُّني كنتُ مُقدِماً على الانتحار لو أنكِ خذلتِني وبدَّدتِ أملي بطريقةٍ
طبيعيّة وبخيانةٍ عادية كغيْرها
من الخيانات.. بل يُخيَّل إليَّ لو أني ضبطتُكِ مع أي إنسانٍ آخر لكان الأمر يمكن
احتماله، وما كان مثل هذا اليأس يُطْبِقُ عليَّ فيسلبُني صَوابي.. أجل.. لو أنكِ خُنتِني
مع أي إنسان غيْر أبي لاستطعتُ أن أحتمِل. أمّا
أن أُفجَعَ فيكِ - وأنتِ كل شيء – وفيه - وهو أبي ويعرف أنني أُحِبُّكِ وأنكِ مُنتهى
أملي - فذلك ما لا أستطيعُ احتمالَه.
لستُ
أدرى هل تُحبّينه حقّاً كما سمعتُكِ تقولين له أم أنتِ تخدعينه؟! هل
تخدعينني أم تخدعينه أم تخدعين كِلَيْنا؟
وإني
في حيرةٍ شديدة، فهو رغم أنه أبي ما زال يفيضُ قوّةً وفُتُوّة وما زالت به القُدرة
على فِتنة النِساء وإغرائهن.
إني
في حالة يأسٍ مُخيف وانهيارٍ تام، لقد فكَّرتُ في أن أقتُلَكِ أو أقتُلَه.. فلم
أستطِع.. لأني أُحبُّكِ وأُحبُّه رغم كل ما فعلتماه بي، وأخيرا فكَّرتُ في أن أقتلَ
نفسي فوجدتُ أن هذا هو خيْر حَل، فما عدتُ في حاجةٍ إلى نفسي لأني كرهتُ الحياة،
وما أظُنُّ هُناكَ أحداً في حاجةٍ إليَّ.. اللهُمَّ إلّا مخلوقاً واحداً.. أحسُّ
بالندم من أجله، وهو أُمّي.
أُمّي
الطيّبة المخدوعة التي أحس أني أترُكُها وحدَها كاليتيمة في مأدبة اللِّئام..
وكالشاةِ وسط عُصبة الذِئاب، أني
أحس أني جبان لأني تركتُها وحدَها.. بيْنَكِ وبيْنَه.
ولكن
ماذا أستطيعُ أن أفعل؟ إن اللّٰهَ معها.. فهي امرأةٌ مُؤمنة.. أمّا أنا فقد كَفَرتُ بكل شيْء.. وانهارت ثِقتي في
كل شيء.. وبِتُّ أشعُرُ أن شِفائي قد أصبحَ في الرحيل عن دُنياكم.. دُنيا الزيفِ
والخِداع.
*****
