امرأة طيّبة (2)
واستكملَ
الرجُل حديثَه قائلاً:
-
كنتُ أرى أن أبقى في ذاكرتها ذكرى جميلة بدلاً
من أن أكونَ في حاضرها واقعاً مُرّاً ثقيلاً.. كنتُ غيرَ واثقٍ من نفسي، وكنتُ
أكرهُ أن أكونَ فَرْضاً بغيضاً عليها.. ثم أنه لا حقَّ لي عليها - وهي ناضرةٌ كالزهرة
التي وهبتني شَذاها وأنا إنسانٌ سليم - في أن أتعلَّقَ بها فأشدُّها لتقضي بقية عُمرها
مع ضريرٍ خابي العيْنيْن مُظلم الحياة. كان
حُبّي لها قبلَ أن أُصابَ يشدُّنى إليها.. فلما أُصبتُ أحسستُ أن حُبّي يدفعُني
عنها.
وهكذا عُدتُ من مَيْدان القِتال وكأني لم أعُد..
لقد سبقَ أن أعلنوا أني مفقود، ولا أظُنُّ أحداً قد اهتم لفقدي اللّهُمَّ إلّا هي،
فقد نشأتُ يتيمَ الأبوين، وقضيْتُ حياتي وحيداً، مُنطوياً على نفسي.. لا أُحِبُّ
ولا أُحَب، حتى لقيتُها، فأحسستُ نحوها بما يحسُّه ضالٌّ في بيْداءٍ مُقفِرةٍ أقبلَ على واحةٍ منحتْه الظِّلَ
والثَمَر والماء، فوَقَتْه من هَجير، وأطعمته من جوع، وسقته من ظمأ.
عُدتُ من القِتال ضريراَ، أو على الأصح ميّتاً
مفقوداً لأنطوي على نفسي مرّةً أُخرى وأعودُ لأضربَ في بَيْداءِ الحياة وأفقِدَ
الظِّلَ والماءَ والثَمَر، وأفقِدُ معهما البصرَ والأمل.
ومرّتْ بي الأيّامُ لتزيدَني يأساً على يأس،
ومللتُ الحياةَ وهممتُ - لوْلا بقيّة إيمان - بالتخلُّصِ منها.. حتى كانَ ذاتَ يوْم،
أحسستُ أني بُعِثتُ من العَدَم - أجل
- مرّةً أُخرى.. أحسستُ أني وُهِبتُ الملجأ بعد طولِ ضَلال، ولقيتُ المقرَّ بعد
طولِ سَعْيٍّ وكَد.
لقد أحببتُ ثانيةً؟!.. لستُ أدري لِمَ أحببتُها: التوافُقُ بيْنَ نَفسيْنا؟
أم لأنها كانت ذاتَ عاهةٍ وكنتُ ذا عاهة، فألَّفَ المَصابُ (المُصيبة) بيْنَ قلبيْنا؟
أم لأنها كانت أوّلَ مَن منحني عطفاً وحَدِباً (حناناً)؟ الواقعُ أنني كنتُ على استعدادٍ
لأن أُحِبُّ أيّة مخلوقةٍ تمنحني قلبَها.. أيستطيعُ طاوي الصحراء الجرداء أن يرفضَ
قَدْراً من الماءِ مهما حَقُر (صَغُر)، وقَدْراً من الظَّلِّ مهما ضؤل (تضاءل)؟
لقيتُها في ظروفٍ عجيبة.. لو لقيتُ بها غيْرَها لما فكَّرتُ قَط في أن أتزوّجها.. أمّا
هيَ فما كنتُ لأتردَّدَ في زواجها حتى ولو لقيتُها في أسوأ ممّا لقيتُها فيه.
لقيتُها في بيْتٍ من بيوتِ الهَوى.. دفعني إليه
صاحبٌ للترفيه والتسلية، ووجدتُها صامتةً لا تتحدَّث، ولكني أحسستُ أنها مخلوقةٌ
رقيقةٌ جميلةٌ طيّبة، وسألتُ عنها صاحبةَ البيْت فأنبأتني (أخبرتني) أنها فتاةٌ بَكماء.
ونشأَ بيننا وِدٌّ سريع، وأحسستُ منها عطفاً
كثيراً، ووجدتُ المشاعرَ تتدفَّقُ من قلبي نحوها، وفي نهاية السهرة أوصلتني إلى الدار.
وفي اليوْم التالي أقبلتْ تزورُني، وتكرَّرتْ
الزيارةُ يوْماً بعدَ يوْم، ولم تمضِ بضعةُ أيّامٍ حتى انتهي الأمرُ بيْننا
بالزواج.
لقد تمَّتْ المسألةُ في غاية السُّرعة.. فلم يمضِ
بيْن أوّلِ لقاءٍ وبيْن الزواجِ أكثرَ من أُسبوع.
قد يبدو الأمرُ تهوُّراً مني واندفاعاً.. أن أتزوَّجَ
امرأةً من بناتِ الهَوى لا أعرفُ عنها كثيراً ولا قليلاً، ولكني أؤكِّدُ لك أنني
لم أندمْ قَط على فِعلتي هذه، فلقد أحسستُ مُذْ (منذُ) لقيتُها أن شيْئاً خفيّاً
يشدُّني إليها، واستطعتُ أن أُجزمَ لنفسي أنها - على كل ما بها - خيْرٌ من ألفِ امرأةٍ
شريفة، لستُ أدري ما
رأيُكَ أنت؟ أني أحسُّ أنها عوَّضتْني عن حياتي الماضية، ويبدو أنني لوْ تزوَّجتُ صاحبتي الأولي وأنا سليم البصر،
لما كنتُ أسعدَ حالاً ممّا أنا عليه الآن، ففي كثيرٍ من الأحيان يبدو لي أنني لم
أفقدْ شيئاً، وأني ألمِسُ صاحبتي الأولي فيها.. وأحِسُّ بها بيْن ذراعيَّ، وأني أُبصِرُها
كما كنتُ أُبصِرُها فيما مضى.. حتّى ليُخيَّل إليَّ أني أُحِبُّ الاثنتيْن في واحدة،
وأن فقدي البصر جعلني أتوهَّمُ صاحبتي الأولي فيها.. أترى النِساء يتشابهن جميعاً..
إذا ما تحسَّسْناهُنَّ بأيْدينا؟
*****
