امرأة طيّبة (3)
وصمتَ
الرجُل، ولم أدرِ بأي شيءٍ أُجيبه، ولم أشُكْ من حديثه في أن كل ما به من حنينٍ
مبعثه حُبُّه الأوّل، الذي خشى عليه أن يتحطَّمَ إذا ما التقى بصاحبته، وأنه فضَّل
طولَ الحرمان على مرارة الهزيمة، وحرصَ على أن يحتفظَ في ذِهنه بأوْهامِه الجميلة ليعيشَ عليها فلمّا التقى بأوّل امرأةٍ - أبدت له عطفاً بعد
أن أضناه الحِرمان - وهبَها ما اختزنه من الحنين، وأقبلَ عليها فأحبَّ فيها صاحبته،
ولم أشُكْ في أن الوهمَ قد رسمها له صورةٌ طِبقُ الأصلِ منها.
ماذا
يُضيرُه ما دامَ ضريراً لا يُبصِرُ شكلها الحقيقي ولا يُميّزُ الفارقَ بيْنها وبيْن
صاحبته الأولى؟
*****
ونهضتُ
من مقعدي فشددتُ على يده مُودِّعاً وهممتُ بالخروج عندما وجدتُ الزوْجةَ مُقبلةً
من الحُجرةِ المُجاوِرة، وبدا لي من نظرتها أن في رأسِها أشياءً كثيرة، وسِرتُ وإيّاها
مُجتازيْن الحُجرةَ إلى الصالة ثم إلى الردهة، لتوصِلني إلى الباب.. وفي الردهة
وجدتُها تتوقَّفُ ثم ترفعُ بصرها إليَّ وتهمسُ قائلةً فجأة:
- هل سمعتَ منه القَصّة؟
وتملّكني
الذًهول، فقد كنتُ على استعدادٍ لأي شيْءٍ إلّا أن أسمعَ البَكماءَ تتحدَّث، وهمستُ
مُتسائِلاً في دَهَشٍ شديد:
- أتتكلّمين؟
وهَزّت
رأسَها مُشيرةً "أجل"، ثم أردفَّتْ قائلة:
- يبدو لي أنَّ من
الإنصافِ أن تسمعَ القَصّةَ من الناحيةِ الأُخرى.. إنني وصاحبتُه الأولي مخلوقةٌ
واحدة.. إنني هيَ.. التقيْتُ به أوّلَ مرّة، وأنا على وشكِ الانزلاقِ إلى الهاوية
فأحببتُه كما لم أُحِبُّ من قبل، وأحسستُ أنه قد أنقذني من التردّي، واتفقنا - كما
قالَ لك - على
أن يكونَ كُلٌّ مِنّا لصاحبه.. ثم
سافرَ إلى الميْدان، وأخذتُ أنتظر، ولمّا علمتُ من صحبِه أنه فُقِد تملَّكني اليأسُ
وأحسستُ بالانهيار، ووجدتُني أندفعُ مرّةً أُخرى إلى الهاوية.. دونَ أن أجدَ ما يُنقِذَني،
ومرّت بي الأيّام وأنا أتجُرُ في الهوى.. حتى كانَ ذاتَ يوْمٍ التقيْتُ به.. فكأني
رأيْتُ ميّتاً بُعِث، وأحسستُ بالحَنين إليه، ولكني كرهتُ أن أُحطِّمَ في ذِهنِه
صورتي الحُلوةَ الشريفة، وخشيتُ - كما خشى هو من قبل - أن أبدو له بهذه الصورة البَشعة:
امرأةً مُدنَّسة، ولم اتكلَّمْ حتى لا يعرفني، ورجوْتُ صاحبةَ البيْتِ أن تُنبِئَهُ
أني بَكماء، وحاولتُ تجنُّبَه والابتعادَ عنه، ولكنه أقبلَ عليَّ في لهفةٍ وشوْقٍ
كأنما قد أحسَّ بي.. ولم أستطِع إلّا أن أُبادِلَهُ اللهفةَ على أنني مَخلوقةٌ أُخرى
جديدةٌ غيْرُ صاحبتِه الأولى، ومُنذُ ذلكَ اليوْمَ لم أنبَسْ ببِنتِ شفة.
وعَرَضَ
عليَّ الزواجَ كما أنا: بَكماءٌ من بناتِ الهَوى ولم أتردَّدْ في القَبول.. وعِشتُ
معه بشخصيتي الجديدة، فكسبتُ الحاضِرَ
ولم أهدمِ الماضي.
إنني
أمامَهُ واقِعٌ سعيدٌ هنيء، وفي ذِهنِه ذِكرى جميلةٌ مُمتِعة.
