امرأة طيّبة (1)
كنتُ
في حيرةٍ من أمرهما.. وكنتُ أُسائِلُ نفسي وأُسائِلُ الناس.. كيف
يستطيعان التفاهُم؟ وأيّة سُخريةٍ من سُخريات القَدَر ألقتْ بأحدهما في طريق الآخر،
وأرغمتهما على رفقة العُمر، وشركة الحياة؟! وأعجب
ما في الأمر.. ذلك الحُب العنيف بينهما.. فلقد كنتُ أفهم أن زواجَهما - برغم ما
فيه من تناقُضٍ يبعث على الدهشة - قد يكون وليد مَنفعةٍ أو جاء خبطةً عشواءَ من صُنع
الظُروف الخرقاء أو فرضته أسبابٌ خفيّةٌ قاهرة، فلم يستطيعا سوى الإذعان والامتثال..
أجل.. كنتُ أفهم أن زواجهما العجيب ليس سوى وضعٍ شاذٍ لغرضٍ من الأغراض، والحياة
مليئة بالأوْضاع الشاذّة المقلوبة.
كل
هذا كان يُمكِن أن يبرِّرَ زواجهما، أمّا أن يكون بينهما حُب، وحُبٌّ عميقٌ قويٌّ
متين، فذلك ما لم أجد له في ذِهني ما يُبرِّره.
وكيف
يقوم حبٌ بين أعمى وبكماء.. حُبٌّ استطاعَ أن يدفعَ كُلّاً منهما رغم ما به إلى المُغامرة
بزواجِ صاحبه؟.. لوْ أنهما تزوَّجا وهُما صحيحان، ثم أُصيبَ كُلٌّ منهما بما أُصيب
به.. لما كان هُناكَ ما يبعثُ على الدهشة.. بل لما وجدتُ في حُبِّهما القوي سوى
صلةٍ طبيعيّةٍ زادتها المصائب والنوازل توثُّقاً وارتباطاً، ولكنهما تحابّا وأقدما
على الزواج وبكلٍّ منهما ما به، كيف أحب كلٌّ منهما الآخر؟ كيف استطاعا التفاهُم؟
وكيف تبادلا العواطف والمشاعر؟..
لو كان كلاهما أبكم.. لقُلنا أنهما تفاهما بالعيون، ولو تعطّلتْ - برغمهما - لُغة الكلام، لخاطبَتْ عيْنيْه في لُغة
الهوى عيْناها، ولوْ كان كلاهما أعمى، لقُلنا جرى بينهما الحديث فعشق كلاهما الآخر
بسمْعه وأُذُنه، "والأذنُ تعشقُ قبلَ العيْنِ أحياناً".. أمّا أن يجمعا
بين العَمى والبَكَم ويتحابّا.. فذلك ما حيّرني، وملأني عجباً!
ولقد
بقيتُ أُسائِل نفسي كيف يعيشان؟ وكيف يتفاهمان؟ حتى جمعتني بهما أواصرُ صداقة،
وزادت بيْننا الصِّلة حتى استطعتُ أن أعرفَ الكثيرَ عن حياتهما الخاصّة.. فعلمتُ
كيف يتفاهَمان.
شيءٌ
عجيب! لقد كانا يتفاهمان كأصحِّ صحيحيْن، وكأن العاهة التي بكل منهما لا أثرَ لها،
فهل كان التفاهُمُ صنيعَ الحُب؛ أم طولُ العِشرة والتعوُّد؟!
كنتُ
أظُنُّ قبلَ أن أعرفهما أن الأبكم دائماً لا يسمع، أمّا هي فقد كانت تبدو لي كأنها
تسمع.. أو أنها كانت تلتقطُ الحديثَ وتفهمه من مُجرَّدِ حركة الشِّفاه.. فكان هو
يتحدَّث، وهي تفهم كل ما يقول، وتُلبّي كل ما يطلُب، بلا لَبْسٍ ولا خطأ.
وكان
هوَ شخصاً عجيباً.. يبدو لي أن حاسّة السَمْعِ أو اللَّمسِ كانت لديْه خارقةً
للعادة، ومَن يدرى ربما كانت لديه حاسّةٌ سادسة يفهمُ منها ما تُريد ويقرأ بها خَبايا رأسِها
وصدرِها دونَ أن تُفصِحَ عنه.
على
أيّة حال.. سواءٌ أكان هذا أم ذاك، أو كان شيئاً آخرَ مِمّا لستُ أدري، لقد كان الشيء
الذي أستطيعُ أن أجزِمَ به هوَ أنني ما رأيْتُ التفاهُم بيْنهما يتعثَّرُ قَط.. بل
كانا يتفاهَمان كإنسانيْن سليميْن.
ولقد
هدأتْ حيرتي بعضَ الشيء بطول مَعرفتي لهما.. ولكن حُبَّ الاستطلاع لم يخمدْ في نفسي..
بل بقيتُ أتلهَّفُ إلى معرفة قِصّتهما.. كيف التقيا؟ وكيف تحابّا؟.. أن في حبهما -
بلا أدنى شك - أمراً يستحق أن يُعرَف!
وسنحت
الفُرصة ذاتَ ليْلة، وقد خلوْتُ به في شُرفة الدار نسمُرُ بحديثٍ هادئ، وبدأتُ أُحدِّثه عن نفسي حديثاً
رقيقاً مُستفيضاً استطعتُ به وبسكون الليْل ونسيمه ورِقّته أن أستدرجَه إلى الحديثِ
هو الآخر، وإذا به يمد ساقيْه في استرخاءٍ ويدفع رأسه إلى الوراء كأنه ينظرُ إلى السماء
ويقول:
-
أحببتُ مرّتيْن.. حُبّاً قديماً وحُبّاً جديداً،
أمّا القديم فقد ثوى (مات)، ولم تبقَ منه سوى ذكرياتٍ باهتة.. تبدو كأنها بَقايا سُحُبٍ
في الأفقِ البعيد.. لقد فَقَدتُ صاحبته، أو لكيْلا نظلمَها: فُقِدتُ أنا منها،
وافترقنا على عهدٍ وميثاق، وذهبتُ إلى الميدان بعد أن وعدَ كُلٌّ مِنّا الآخرَ أن يكونَ
لصاحبه، ولكن الظروفَ أضاعت العهدَ ومَزَّقَتْ الميثاق، فلم نلتقِ بعد ذلك أبداً..
لم أُحاوِلْ أن ألقاها.. فقد كنتُ أعلم أني بالنسبة لها لن أكونَ سوى إنسانٍ مفقودٍ
مَيّتٍ هالك، وكنتُ أُفضِّلُ أن أكونَ كذلك من أن أبدو لها بهذا الشكل البَشِع.. ضريراً مُشوّهاً!
