خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | امرأة آثمة (2)


امرأة تجسد شعورها نحو زوجها بأنه علاقة رجل مستبد غليظ الطباع يربطها بسلاسل قيد من حديد لا تستطيع الفكاك منها

امرأة آثمة (2)

 

 

ولم يُزعزِعْ ذلك الجَوْر من القضاء والشِدَّة من الظروف ثِـقتي بالحياة، وداومتُ على السيْر فيها راضيةً قانعة، حتى قذف القدر إلينا بما زلزل زلزالها وأخرج أثقالها، وغدتْ علينا الرياحُ بغَمامةٍ معتمةٍ مظلمةٍ خيَّمت عليها.. أو على الأصح.. على حياتي أنا بالذات.

لم تكن الغمامة والزلزال سوى رجلٌ جمعتْه بأخي دواعي العمل، ووثَّقتِ الدواعى الصِلة بينه وبين العائلة ٠٠ وزادت الأيّام هذه الصلة وثوقاً، فقد كان بحُكم العمل المشترك بينه وبين أخي دائم التردُّد علينا يكاد يقضي معظم يوْمه في بيتنا.

وقد بدأ هبوبه علينا وأنا لم أزَل بعد طفلةً غريرة.. لا هَمَّ لها سوى استذكار دروسها وعمل واجباتها الدراسية والانهماك في تدبير شئون الدار، وأخَذَ مركزه يتوطَّد بيننا ومقامه يستقر، وزاد تعلُّق الأسرة به حتى انتهى الأمر به إلى أن يقطُن معنا.

ولا أكذبك القول إذا قلتُ لك أن الرجُل كان يتمتَّع بكل احترامٍ وتبجيل، وكان الكُل ينظرون إليه نظرة تقدير.. عداي.. أجل.. أنا وحدي الصغيرة الضئيلة التافهة.. التي كنتُ أكرهه وأحتقره.. فما كان يقع من نفسي إلّا موقع أفّاقٍ أُمّيٍ (جاهل) فرضته علينا الأقدار فرضاً، وعبثاً حاولتُ أن أعوِّدَ نفسي حتى على مجرد قبوله، فقد كانت نَفسي تعافه وتزدريه وهي النَفسُ الطموحة الوثّابة، وهو رجل الشارع الفَظ الغليظ المحروم من كل ما وهبه اللّٰه لانسانٍ مُحترم.. لا ثقافة ولا خُلُق ولا ذوْق.. ولا شيءٍ أبداً.. ومع ذلك فلم أكُ أستطيع إلّا الرِضاء.. فما كنتُ أملِك في الدار سُلطةَ طَرْدِه وإقصائه، ووجدتُني أصبر مضطرّةً على قُربه والعيْش معه.. حتى وقعت الطامة الكُبرى، وطلب يَدي.

طلب يدي لكي أكونَ زوْجته ولكي أنامَ وإيّاه تحت سقفٍ واحدٍ وفي فِراش واحد.

 هذا الحيوان الجاف - من دونِ خَلْقِ اللّٰه أجمعين - يطلبني أنا بالذّات من دون نساء العالم لكي أُشاطِره حياته ولكي أُشَد معه بوَثاقٍ يربُطنا معاً إلى الأبد!

ولم يجد من الأهل رفضاً ولا صدّاً، فقد كانوا كلهم في حاجةٍ إليه بعد أن قيّدهم بأغلال هداياه وجمائله، وبعد أن أغمضوا أعيُنهم عن خُبث نفسه وسوء طويّته فلم يكتشفوه على حقيقته رغم انقضاء هذه المدة الطويلة على سُكناه معهم.

وفاتحوني في الأمر فهببتُ ثائرةً غَضْبى مُدافعةً عن كياني وعن مُستقبلي وعن حياتي الطويلة الباقية.. وتشبَّثتُ بحقّي في الحياة وفي اختيار الزوْج تشبُّثُ المُستَميت.. وقلتُ أني ما زِلتُ صغيرةً وأني أرغبُ في الاستمرار في الدراسة.. وحاولت التذرُّع بجميع وسائل الرَفْض، ولكن رفضي لم يُجدِ معهم نَفعاً.. وساقوني إلى مصيري سوْقَ النِعاج إلى قَصّابها (جَزّارها) والمُذنِب إلى جلّاده.

وفي ذات يوْمٍ أسود أغبر مُثقل بالكروب والخطوب، نُفِّذَ فيَّ حُكمُ الزواج.

أنتهى الأمر، وحانت الآخرة، وسِقتُ إلى مصيري المحتوم.. إلى بيْت الزوْجيّة الجديد، ولم يكُن أمامي مفرٌّ منه فتوسَّلتُ إليهم - ما داموا قد قضوا عليَّ هذا القضاء - أن يترفَّقوا بي ويستعملوا الرأفة وألّا يتركوني وحدي.. بل يُؤنِسوا وَحشتي ويقطنوا معي وألّا يُفارقوني ويخلِّفوني وَحدي معه.

ومرّت بي الأيّام وأنا أزداد تعاسةً وشقاء، وجَسدي يزدادُ نُحولاً وذُبولاً حتى وَهَنَ مني العظم وبِتُّ شبحاً لا يكاد يعرفني أقربُ الناسِ إليَّ.. وهوَ.. هوَ.. يرتعُ في بحبوحةٍ من الجهلِ والغباءِ والفظاظةِ والغِلظة.. لا تكاد تسمعُ من شفتيْه سوى سَيْلٍ دائمٍ من الألفاظِ النابيةِ الجارحة.

ورُزِقتُ من هذا الوحش بطِفلةٍ آيةٍ في الجمال، ولكنها شبَّتْ على غِرار أبيها: فظاظة خُلُق، وغِلظة طَبْع، حتى بِتَّ أكرهُها أشدَّ الكُرْه.. ونَمَتْ وترعرعَتْ وهي أبعدُ ما تكونُ عن عطفي وحناني، لقد كنتُ أشعرُ دائماً أنها ابنته وحده.. وأنه ليس لي فيها ناقةٌ ولا جمل، فبغضتُها - وهي ابنتي - لمُجرَّدِ إحساسي بأنه يُشاركني فيها تلك البُنوَّة، أجل.. لقد تغلَّب كُرهي لابنته على حُبي لابنتي.

وهكذا سارت حياتي معه على وَتيرةٍ واحدة، فما اعتبرتُه يوْماً زوْجاً لي.. وما بادلتُه حُبّاً ولا مَيْلاً، ولا حتى إحساساً بوجود.

وفي صيْف ١٩٤٧ أفلحتُ - بعد إلحاحٍ شديد - في إقناعه بالسفر إلى مصر لتمضية الصيْف في الأسكندرية.. ولأتداوى من عِلةٍ لازمتني هي "مرض الأعصاب" فقد كانت أعصابي مُتوتِّرةً مُرهَقة، وكنتُ أثورُ لأتفهِ سبب.. ومرّةً أُخرى تدخَّل القَدَرُ ليقذفَ إلينا بجديد.. ولكن قذيفته هذه المرّة كانت برداً وسلاماً، وكان فيها الشِّفاءُ لنَفْسٍ مُضناةٍ مُعذَّبة، والرجاءُ لقلبٍ بائسٍ موجَع، والماء لروح صادية (ظمآنة عطشى).

لقيتُه فعرفتُ فيه - من أوّل نظرةٍ بلا أي مُبالغةٍ ولا ادّعاء - حبيبَ الروح وأَنَس الحياة، ولم أجرؤ أن أعترف - حتى لنفسي - بهذا الأمر، بل زعمتُ لنفسي أنني ارتحتُ إليه مُجرَّد ارتياح، فلقد كان مخلوقاً مُثقَّفاً رزيناً لطيفاً، هادئ الطبع، باسم الثَغر، حُلو الحديث.

كان شابّاً وسيماً ذا مركزٍ مُحترمٍ وأصلٍ طيّبٍ وثقافةٍ عالية، وقد تعدَّدَتْ زياراته لنا بعد التعارُف وتوثَّقت عُرى (روابط) الصداقة بيْنه وبيْن أفراد العائلة جميعاً.. حتى أضحى على مَرِّ الأيّام كواحدٍ منها.. وأصبح الصديق الحميم للزوْج والأخ والوالد والوالدة.

وبدأتُ أحُسُّ بالتطوُّر الجديد في نفسي الثائرة ومشاعري القَلِقة وأعصابي المُتعبة، فهدأَتْ الثوْرة، وضاعَ القلق، وتبدَّلَ التعبُ راحة، أي واللهِ يا أخي، ما عُدتُ أحس بحُزنٍ ولا قلق ولا إرهاق بل أصبحتُ أُحِبُّ الحياة وما في الحياة، ولم أعُد أضيقُ بكُلَّ شيْءٍ ذَرْعاً، وأحس من كل جلسةٍ مَلَلاً.. بل أخذتُ أشعر بأن هناك ما ملأ الفراغ وآنَس الوَحشة، وكنتُ أجلس وإيّاه لنقرأ في كُتُبِ الشِّعر والأدب التي جلبها لي ونتناقش فيها ونتبادل الرأي، وكنتُ أحس من ذلك بلذّةٍ أي لذة، ومُتعةٍ أي متعة.

لقد بدأتُ أتذوَّقُ الحياة، وأعرف ما معنى أن يعيشَ الإنسان مع صاحبٍ مُثقَّفٍ لطيفٍ رقيق.

وفجأة أنقطع.. منعه الزوْج عن زيارتنا، وتركنى أشبهَ بمجنونةٍ حائرة.. وظمأى مَسْغَبة (جوْعى مُتعبة)، وأقولُ الحق أني لم أستطِعِ المُقاومة ولا النِفاق ولا المداراة، فارتميْتُ طريحةُ الفِراش، وكَلَّفتُ والدي بالتنقيب عنه، وخرج أبي ولم يعُد إلى الدار إلّا به، فاعتذر عن غيابه وأنبأني أنه لم يعرف بنبأ مرضي إلّا من أبي وأنه حضر في التَوِّ عندما علم.

واستمرَّ يعودُني حتى كُتِبَ لي الشِّفاء وعادت إليَّ - بعودته - حياتي، وأشرقَ الكوْن بعد طول ظُلمةٍ وعُبوس.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX