خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | امرأة آثمة (3)


امرأة أو فتاة سعيدة تقرأ رسالة غرام أرسلها لها حبيبها

امرأة آثمة (3)

 

 

ولم أعُد منذ ذاك الوقت أُطيقُ البُعد عنه لحظةً واحدة، وما عدتُ أكتم حُبّي بيْن جوانحي بل أطلقته مُتحرِّراً صريحاً من الحنايا.. وما عُدتُ أخشى شيئاً.. فإذا تأخَّرَ موْعدُ زيارته استحثثتُ (عجّلتُ) مجيئه بالتليفون، وبِتُّ أغارُ عليه من لَمْسِ الهواء، وأعاتبه إذا قصَّر يوْماً في الزيارة.

ولستُ أُريدُك أن تفهم من قولي "أطلقتُ حُبي مُتحرِّراً صريحاً من الحنايا" أني قلتُ له أني أُحبُّه، لا.. لا.. إني ما قلتُها قَط، وما قالها.. نعم.. ما قلتُها وما قالها.. ولكن كل فِعلِنا كانَ يوحي بها.. ويَنِمُّ عليها.

مرَّتْ على علاقتنا هذه ثلاث سنوات، والحُبُّ بيننا مُتأجِّجٌ والهَوى مُستعر.. لا تنطفئ له نار ولا يخبو له أوار (لهيب الشوْق)، حتى باتَ لكل مِنّا حقوقٌ على صاحبه أقوى من حقوق الأزواج والآباء والأبناء، وأصبحَ هو كل شيءٍ في العائلة، فأيُّ أكلةٍ تعجبه تُطهَى له، وإن تأخَّرْ يَوْماً عن الطعام لم يجسُرْ إنسانٌ على أن يقربه حتى يتصدَّر هوَ المائدة، فأشعرُ بالسعادة تُفعِم (تملأ) جوانحي وأنا بجانبه يروي لي النِكات الحُلوة والأحاديث الطريفة المسلية.

وفي ذات يوْم ألقى لي بأوّلِ رسالةٍ يكتُبها إليَّ ويبُثُّني فيها حُبَّه ولواعجه.. ألقاها إليَّ بطريقةٍ مُتردِّدةٍ خائفةٍ وَجِلَةٍ مُستَتِرة.. فقد دَسَّها لي في كتابٍ دونَ أن يُعَنوِنَها باسمي كأنما هي مُرسلةٌ إلى مجهول، وكانت رسالةً حارّةً مُلتهبةً تذوبُ شوْقاً وتزفر (تتنفّس) جَوى (احتراق من فرط الهيام).. ولا أكتُمُك القوْلَ أني ما سعدتُ في حياتي كسعادتي في لحظة قراءتها، أو على الأصح التهامها.

وطالتْ غيْبته فترةً بعد أن دَسَّ لي رسالته المُمتِعة، وكنتُ أذوبُ شوْقاً إليه فحادثته بالتليفون وسألتُه مُتخابِثةً عمّا إذا كانت الرسالة الموجودة في الكتاب تخُصُّه، وعمّن يقصدُ بها.

وردَّ عليَّ بأنها شيءٌ تافهٌ كتبه في فراغه ورجاني إلّا أُعيرَها أي اهتمام.

ولم تُضايقُني مُغالطته، فقد كنتُ واثقةً من أنه يعنيني بها ولم أملُكْ سوى أن أقولَ له ضاحكة:

-       اللّٰه يسامحك.

ومرَّتْ الأيّام وكل مِنّا يُخرِجُ هَواه ويكتِمُه، ويبوحُ به ويحبسُه.. يبوحُ به فِعلاً ويكتِمُه قوْلاً.. لساننا في صمت وأعيننا وقلوبنا وأرواحنا في صَخَبٍ وضجيج، أقوالنا هادئة.. وأفعالنا ثائرةٌ هادرة.. كانَ يكتب لي الشِّعر الحار على قصاصاتٍ من ورقٍ يرفقها بكتبه، وكان يطلب من الإذاعة أغانيَّ المُحبَّبة، فيهيج مني كامن الشوْق وزائد الحُب.

وطالَ بنا الهَوى الشريف الطاهر المَكبوت حتى أخذَ يعصفُ بحياتنا، فبدأت تُصيبُه في الصيْف الماضي نوْباتٌ عصبيّة، وأخذ جسده يذبُل، وعوده يجِف، حتى غاب عَنّا ذاتَ يوْمٍ فجأة ٠٠ وكنتُ في الشهر الأخير وعلى وَشَكِ الدخولِ في المُستشفى للوضع.

ولم أتصوَّر قَط بُعدَه، فتوسَّلتُ إليه أن يحضِرَ فلبّي الرجاء، وأمضيْتُ مُدة الوِلادة وهو ساهرٌ على راحتي لم يُفارِقني لحظةً حتى انتهَيْتُ من الوَضْع وغادرتُ المُستشفى سليمةً معافية.

ولم يكَد يستقِرُّ بنا المقام بعد الوضع حتى وجدتُه يزورُنا فجأة ويُعلِنُ أنه قرَّر نهائيّاً عدم السُكنى في بغداد، وأنه سينقل محل إقامته بعيداً عنّا لأسبابٍ صحيّة، وأن الأطبّاء أشاروا عليه بتبديل الجوْ نظراً للنحول الذي  أصابه.. وبعد سفره بساعاتٍ كتبَ إليَّ رسالةً يُصارِحُني فيها لأوّل مرّةٍ بحبه الجارف الفيّاض، ويصارحني بأن سبب سفره الحقيقي هو حُبه لي ورغبته في البُعد حتى لا يكون سبباً في مأساةٍ عائلية، وسألني أن أكتبَ له باستمرار.

وهكذا رحل بعد ما أوْدعني قلبه الذي يقطُر حُبّاً وألماً ولوْعة، وأحسستُ بالمرارة والحُزن، مرارة الفُرقة وحُزن القطيعة، ولكن لم يكُن أمامي سوى الصبر والتعلُّل بالكتابة.

ومرَّتْ الأيّام وأنا أكتب له وأحدِّثه بالتليفون وطال البُعد وأنا أصبر عليه وأتجلَّد، حتى ذوى منى ناضر الحياة، ويَبِسَ زاهِر العود.

ورقدتُ على الفراش أنا والموْت سواء.. لا أتمنى شيْئاً سوى لقاءٍ بعد طول فُرقة.. ووَصْلٍ بعد طول نأيٍ وبُعد، وكأنما أراد القدر أن يُمعَنَ في التنكيل والتعذيب، ويُبعِد عني كل أملٍ في لقاءٍ أو رجاءٍ في وَصْل، وإذا بي - أنا التي أنتظر منه عودته من غيابه الطويل - أسمعُ أن الأهلَ قد قرَّروا السفرَ إلى خارج العِراق.

ولم أُطِق على قرارهم صبراً، فأرسلتُ إليه أستدعيه، وأُعلنُ أن صبري قد نفد.

وحضر إليَّ في النهاية.. وصارح كُلٌّ مِنّا صاحبه بحقيقة ما في نفسه وسألتُه أن يضعَ للمسألة حَدّاً، وأنبأني بأنه على استعدادٍ لأن يفعل من أجلي كل شيء وأن يفتديني بروحه.. ولكنه سألني أن أتروّى وأدرس الأمورَ بعيْن الحِكمة والعقل.

أيُّ عقلٍ يا أخي وأيُّ حِكمة! وهل تركَ لي الهَوى حِكمة وأبقى لي عَقلاً؟! أنا مجنونةٌ تائهةٌ حَيْرى.. أما من مُعين؟ أما من مُنجِد؟

أغِثني يا أخي بنُصحٍ منك! فقط لا تنسَ شيْئاً واحداً وهو أني أُحِبُّه.. أُحِبُّه.. أُحِبُّه.. وأن الحياة بغيْره - مهما كانَ فيها - أهونُ منها الموْت.

                                                                          المخلصة: ليلي

ماذا أقول لها بعد كل هذا؟.. وماذا يستطيع أن يقولَ لها أيُّ قارئٍ منكم؟.. لقد قُلتُ في البداية أنه عندما تزج بنا الأقدار في مثل هذه الأزمات يتعذَّر علينا الخلاصُ إلّا بأحد طريقيْن: الأوّل على حساب تمزيق مشاعرنا واحتمال الحرمان، والثاني على حساب تمزيق التقاليد وتحطيم الأصول.

ولكن يبدو لي أن الطريقَ الأوّل في هذه الحالة مُتعذِّر وأنه ليس هُناكَ بُدٌّ من الخلاص بالطريق الثاني وهو تمزيق التقاليد وتحطيم الأصول وفُراق الزوْج والأبناء وتكملة الحياة مع الحبيب.

ولكن هل هُناك في هذه الحالة بالذات تمزيق أصولٍ وتحطيم تقاليد؟ لا أظن.. فأني لا أستطيعُ أن ألمحَ أثراً لتقاليدٍ أو أصول، حتى الابنة ولدتها الأم مكروهةً مبغوضة.

لقد قُلتُ رأيي وأنا بعيدٌ عن مكان الواقعة، جاهلٌ بأصول بيئتها وتقاليدها.

هل يستطيعُ أحدٌ من أهل البلدة أن يفتينا؟

يا أهلَ العراق: إفتونا أفادكم الله.

*****

وأخيراً وصلت الفَتوى.. وحُلَّتْ العُقدة.. فتوى من السماء وحلٌّ من عند اللّٰه: لقد أوْدى بها الداء.. وأنقذتها العِلّة، وشيّعها القدر بضِحكةٍ ساخرةٍ تكادُ تقول: "هاكُم امرأةٌ آثمة!"

 

 

(تــــــــــمَّــــــــــــــــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradentX