امرأة آثمة (1)
يا
قيْسُ ليْلَى بليْلَى قُلْ لذا الوالِهِ:
"هل
آخرُ الحُبِّ مُرٌّ مِثلُ أوّلِهِ؟"
أتيتُ
رَبْعَ الهَوى عن غيْرِ مَعرَفةٍ
واللهُ
يَعلمُ ما أًلقَى بمَنزِلِهِ
ما
كانَ ذَلِكَ طَوْعاً إنما قَدَمي
زَلَّتْ
بقَلبي فقادَتْه لمَقْتَلِهِ
أُقسِمُ
بليلي.. ليلاي.. وليلاكم.. وليلى هذه القصة أن آخِرَ الحُبِّ أَشدُّ من أوّله
مرارةً وألذعُ طعماً، وما
أحقَّ الشاعر الشاكي بالرثاء وقد ذاق المُرَّ من أوّله وأتى رَبْعَ (دار) الهَوى،
وخاضَ بحر الصَبابة (العِشق والشوْق) خوْضَ جاهلٍ مُكرَهٍ مُساقٍ عن غيْر معرفة
وبلا إرادةٍ ولا رغبة، ولكن قدمه هَوَتْ به وزَلَّتْ بقلبه، فأوْدت به إلى حتفه
وقادته لمقتله.
ما
كان ذلك طوْعاً!، ومتى
كان الحب طوْعاً؟، ومتى كان عن معرفةٍ وتقدير؟
أن
أمامي رسالةً من بغداد ٠. رسالة ليلي المريضة المُعذَّبة.. قرأتها مَثنى وثلاث ورباع، وفي كل مرة أصل
لآخرها وأتوقّف أمام لوْعة صاحبتها وحيرتها وسؤالها إيّاي أن أصف لها دواءً وأجد
لها حلّاً.
أن
الدواء مُر.. فعندما
تزجُّ بنا الأقدار في مثل هذه التجارب يتعذَّر علينا الخلاص إلّا بطريقيْن أحلاهما
مُر وأسهلهما شائكٌ وَعِر: الأوّل على حساب تحطيم قلوبنا وتمزيق مشاعرنا، والثاني على حساب تحطيم التقاليد وتمزيق العُرف
والأوْضاع.. الأوّل نكبح فيه جماح أنفسنا ونُعلِّمها الصبر على الشقاء والجَلَد على
الحِرمان.. والثاني ننطلق منه على هَوانا تُلهِب ظهورنا سياط الألسنة، وتدمى
أقدامنا أشواك اللوْم والتأنيب.. وكِلا الطريقيْن شاقٌّ عسير.. والنهاية.. الله بها أعلم.
هذه
الرسالة تحتوى على تجربةٍ شاقّةٍ عسيرة، لستُ أشكُّ في أن الأقدار لا تبخل بها على
البشر.. بل هي تبسط بها يدها كل البَسْط في كل زمانٍ ومكان.
ولستُ
أُريد أن أُلقي لوْماً على صاحبة الرسالة.. أو أُحمِّلها ذنباً، فأنا أكرهُ أن أُعطى
طالبةً العِلاج والمشورة بدل الدواء لوْماً، واكره أن أُحمِّلها نتيجة ما انساقت إليه،
فهذه المآزق والأزمات تدفعنا الأقدار إليها دفعاً.. فنجد خيوطها قد أحاطت بنا وأوْثقتنا
فلا نملك حِراكاً ولا فِكاكاً.
ومع
ذلك، ومع رغبتي الشديدة في تجنُّب اللوْم فإني لا أملك أن أمنعَ الحيرة والدَهَش
اللذيْن يتملَّكاني كلما توقَّفتُ أمام بعض الحوادث والمواقف في هذه الرسالة، ولا
أملك أن أمنع نفسي من التساؤل عن نظام الحياة في بيوت العِراق، وعن تقاليد
العائلات العراقيّة المُحافظة.
هل
من الطبيعي أن يُسمَحَ لغريبٍ بالحياة مع أهل الدار؟ وهل من الطبيعي أن يصبح غريبٌ
ذا حقٍّ في عائلةٍ من زوْجٍ وزوْجة وأمٍ وأب؟ وأن تتضخَّم حقوقُه إلى درجة أن أي
أكلةٍ تُعجِبُه تُطبَخُ له وأنه إذا تأخَّر عن الطعام لا يجسُرُ أحدٌ أن يتناولَ
الطعام قبل أن يتصدَّر المائدة؟ هل هذا شيْءٌ طبيعي في عائلةٍ عراقيّةٍ مُحافظة؟
أنا
لا ألوم ولا أسخر.. بل أني أتساءل مُجرَّد تساؤل، أن الرسالة قد تضمّنَتْ هذا
الكلام بمُنتهي البساطة كأنه لا عَجَبَ فيه.. ومع ذلك فقد عجبتُ له.. فإني أعرف العراقيّين
كالمصريّين.. وأن تقاليد العائلة العراقية المحافظة هي نفسها تقاليد العائلة
المصرية المحافظة. وهل
من الطبيعي أيضاً أن....؟.. ولكن ما لي ولكل هذا التساؤل؟ أليس من الأفضل أن أعرض
الرسالةَ كما هي.. وليحكم عليها القُرّاء بما يشاءون؟.. أظُنُّ هذا خيْرٌ وأفضل.
إليكم
الرسالة كما هيَ بلا تنميق ولا تزويق:
أخي.. سأُحدِّثُ أخي عن سِرٍّ أدمى فؤادي وجعلني أذبُلُ
وأنا بعدُ في ربيع العُمر وناضر الحياة.
أكتُب
إليك كتابةَ شابّةٍ تعِسةٍ بائسةٍ تقطَّعت بها خيوط الأمل وسُدَّت في وجهها سُبُل
الرجاء وبلغ بها اليأس مبلغاً جعلها تتوهَّم نجاتها في خيْطٍ واهٍ رقيق! وتتلمَّس
وسط الظلماء بارقةً نائيةً تلمعُ كاللآلىء.
أجل
يا أخي.. لقد بلغ مني اليأس مبلغاً دفعني إلى أن ألجأ إليك وأنا في بغداد وأنت في القاهرة،
فأكتُب إليك شارحةً قضيّتي، عارضةً مأساتي، سائلةً إيّاك أن تجدَ لي منها مخرجاً
وتُسعِفَنى بدواءٍ بعد أن عَزَّ المخرج واستعصى الدواء.
أنا
أسألك الدواء وأنت في القاهرة وأنا في بغداد، أسألك راجيةً آملة، لا تتَّهِمُني بالجنون، فأنا
ما زِلتُ عاقلة.. ولوْلا هذا الأمل والرجاء الذي حفظ لي بقيّةً من عقل، لأوْدى بي
اليأس إلى هوّةٍ من الجنون.
إننى
آمُلُ فيك - على البُعد - لأني لا بُدَّ أن آمُلُ في شيْء، وما دام الأمل قد ضاع في
كل ما حوْلي، فلِمَ لا آمُلُ في شيْءٍ بعيد؟.. على الأقل حتى لا تستعصى عليَّ الحياة.
أنا
فتاةٌ (هكذا كتبتْ صاحبة الرسالة.. وأعتقد أن الصحيح هو" سيّدة")
وُلِدتُ في وَسَطٍ مُحافِظٍ على التقاليد، ومن عائلةٍ متوسّطةٍ تتكوَّنُ من أُمٍ وأبٍ
وأخ، ولستُ أريدُ أن أُضيعَ وقتَك بتفاصيلَ تافهةٍ عن العائلة، ولكني أُلخِّصُ
العلاقةَ بيننا بأن كل فردٍ في العائلة يُحِبُّ الآخرَ ويحترمه.
وبدأتُ
اندماجي في الحياة العراقيّة بالالتحاق بإحدى المدارس الابتدائيّة.. وكنتُ أشعر مُنذُ
حَداثتي برغبةٍ في الدراسة ومَيْلٍ إلى تحصيل العِلم، ومكنتني هذه الرغبة وهذا
الميْل من التفوُّق على لِدّاتي (نظيراتي وقريناتي) من الطالبات، وكانت أقصى أُمنيةٍ
لي أن أُتمِّمَ دِراستي حتى النهاية، ولكن القضاء (القّدَر) الجائر لم يشأ أن أنال
أُمنيتي فحالت ظروفٌ قاسيةٌ بيْن الدراسة وبيْني وانتزعتني من الطريق في أوّلِ
مراحله.
