خبر
أخبار ملهلبة

الكونت دي مونت كريستو | ألكسندر دوماس (الأب) | الجزء الثاني عشر


غلاف رواية الكونت دي مونت كريستو باللغة الإنجليزية للكاتب ألكسندر دوما الكبير



الجزء الثاني عشر

 

 

فاستكملت "هايدي" روايتها قائلة:

-       سأله "سليم": "باسم مَن تتكلَّم؟" .. فأجاب الرجل: "باسم سيّدنا "علي" باشا" .. فقال له "سليم": "إذا كنت قادماً من عند "علي" باشا نفسه فأنت تعرف العلامة التي يجب أن تُظهِرها لي" .. وقال الضابط: "نعم ها أنذا أحمل إليك خاتمه" .. ثم رفع يده فوق رأسه ليُظهِر العلامة .. لكن المسافة كانت بعيدة والضوء أضعف من أن يسمح لـ"سليم" بتمييزها فقال: "لست أرى ما في يدك ولن أسمح لك بأن تقترب بل لن أقترب أنا منك قبل أن تضع الشيْ الذي تحمله في الضوء الذي يشع هناك ثم تنسحب ريثما أفحصه" .. ووضع الرسول العلامة في المكان الذي عيّنه له "سليم" ثم انسحب .. فاقترب "سليم" من المكان وتناول العلامة وتأمَّلها مليّاً ثم قبَّلها وهتف قائلاً: "إنها هي، إنها خاتم سیّدي" .. ثم ألقى الشعلة من يده وداسها بقدمه فأطفأها .. وعندئذ أطلق الرسول صيْحة ظَفْرٍ وصفَّق بيديْه وسرعان ما ظهر فجأةً أربعةٌ من جنود "خورشید" .. وسقط "سليم" على الفوْر مُصاباً بخمس طعنات .. ثم تقدَّم الضابط والجنود الأربعة والخوْف يكسو وجوههم شحوباً وراحوا يفتِّشون أنحاء الكهف ليستوْثِقوا من زوال خطر الحريق والانفجار .. وعندئذٍ انقضّوا على حقائب الذهب ينهبونها .. وفي تلك اللحظة حملتني أمي بين ذراعيْها ثم هُرِعت في سكونٍ عبر ممرّاتٍ وسراديبٍ خفيّةٍ لم يكن يعرفها غيرنا .. حتى وصلت إلى سُلَّمٍ آخر يُفضي إلى مدخلٍ مستقلٍ من مداخل الكهف .. وهناك كانت تسود المكان ضجةٌ واضطرابٌ شديدان .. كان جنود "خورشيد" يملأون الحجرات السُفلى .. وفيما كانت أمي توشِك أن تفتح باباً صغيراً سمعنا صوْت أبي يصيح مُهدِّداً فنظرنا من خلال فرجاتٍ بين الأخشاب وإذا أبي يقول لبضعة أشخاصٍ يحمل أحدهم في يده ورقةً مكتوبةً بأحرُفٍ من ذهب: "ماذا تريدون؟" فأجابوه: "نريد أن نبلغك إرادة صاحب الجلالة، هل ترى هذا الفرمان؟، إن جلالة السُلطان يطلب رأسك فيه" .. وأطلق أبي ضحكةً مدويةً مخيفة ثم أطلق مسدسة فصرع اثنين من الجنود .. وفي هذه اللحظة بدأ إطلاق النار من الجهة المقابلة .. واخترقت الرصاصات الحوائط من كل جانب .. ورغم ذلك بدا أبي جليل المظهر وهو يكر على خصومه فيُفزِعهم ويُلجِئهم إلى الفرار .. وكان في الوقت نفسه يصيح بحارسه: ""سلیم"، "سليم"، أَدِّ واجبك" .. فأجابه صوْتٌ كأنه صادرٌ من جوْف الأرض: "لقد مات "سليم"، وأنت قد ضِعت يا "على"" .. وفي هذه اللحظة نفسها دوى المكان بانفجارٍ قوي وتناثرت أرض الحجرة التي كان فيها أبي .. وكان الجنود يُطلِقون النار من أسفل .. وعندئذٍ مد أبي أصابعه وهو يزأر بشِدَّةٍ إلى الثغرات التي أحدثتها الطلقات في أرض المكان وانتزع واحداً من الألواح الخشبيّة .. وعلى الفور انطلقت من جوْف الأرض عشرون طلقةً قويّةً وتدافعت ألسنة اللهب كأنما يقذف بها بركان فالتهمت محتويات الغُرفة .. وخلال هذا الضجيج المروِّع والصرخات المُفزِعة انطلقت طلقتان واضحتان تبعتهما صرختان حادّتان جعلتا الدم يتجمَّد في عروقي فقد أصابتا أبي .. ورغم ذلك ظل واقفاً متشبِّثاً بالنافذة بينما حاولت أمي اقتحام الباب کي تموت بجانبه لكنه كان مُغلقاً من الداخل .. وهنا تداعت فجأة أرض المكان بأكملهـا فسقط أبي على إحدى ركبتيْه .. وفي اللحظة عيْنها امتدَّت نحوه عشرون يداً مسلَّحةً بالخناجر والمسدّسات قامت بعشرين هجمةً ركّزت كلّها ضد شخصٍ واحد .. فاختفى والدي وسط إعصارٍ من النار والدخان حتى لكأن الجحيم قد فغر فاه تحت قدميْه .. وشعرت بنفسي أسقط إلى الأرض بينما أُغمي على أمي .. وحين أفاقت من إغمائها كُنّا نمثُل أمام "خورشید" .. فهتفت به أمي: "اقتلني ولكن ابقِ لي شرفي فأنا أرملة "علي" باشا" .. فأجابها: "لست أنا الذي ينبغي أن تلجئي إليـه بل ينبغي أن تلجئي إلى سيّدكِ الجديد" .. قال هذا وهو يشير إلى شخصٍ بجانبه كان قد ساهم أكثر من سواه في قتل أبي.

ولاحظ "ألبرت" أن "هايدي" ازدادت لهجتها حدة وهي تنطق بهذه العبارة، ثم استطردت فقالت:

-       على أن هذا الشخص لم يجرؤ على الاحتفاظ بنا .. وهكذا باعونا إلى بعض تُجّار الرقيق المسافرين إلى "القسطنطينية" .. فعبرنا بلاد "اليونان" حتى وصلنا إلى أبواب عاصمة السلطان ونحن بين الموْت والحياة .. وكانت تحيط بالبوابة جمهرةٌ من الناس أفسحت لنا طريقاً لنمر .. وفجأةً حانت من أُمّي نظرةٌ إلى شيءٍ كانوا جميعاً يتأمّلونه فأطلقت صرخةً مروِّعةً وسقطت على الأرض وهي تشير إلى رأسٍ كان مُعلَّقاً فوق البوابة وتحته لوْحةٌ كُتِبَ فيها "رأس "على" باشا والي "يانينا"" .. ولم أكَد أقرأ ما في اللوْحة حتى صرخت في مرارة .. وحاولت أن أرفع أمي عن الأرض لكنها كانت جُثّةً هامدة .. ومن ثَمَّ أُخِذت إلى سـوق الرقيق حيث اشترانی ثريٌ أرمني تولّی تعلیمی وتثقيفي فأحضر لى المعلمين والأساتذة .. فلما بلغت الثالثة عشرة باعني إلى السلطان "محمود".

وسكتت "هایدي" فقال الكونت مُتَمِّماً قصَّتها:

-       ومنه اشتريتها أنا.

أمّا "ألبرت" فبقي بعض الوقت مأخوذاً مشدوهاً من كل ما سمع، إلى أن قال له الكونت:

-       هيّا .. أفرِغ قدح القهوة الذي أمامك .. فقـد انتهت القصّة.

شرابٌ قاتل

لو أُتيح لـ"فالنتين" أن ترى اضطراب خطوات "فرانز" والانفعال الذي بدا على وجهه حين غادر حجرة مسيو "نوارتييه" لأشفقت عليه برغم كل شيء.

وكان "دي فيلفور" قد غمغم ببضع عباراتٍ متقطِّعةٍ ثم انسحب إلى حجرة مكتبه، حيث تلقّى بعد ساعتيْن الخطاب التالي:

[[[بعد الأمور التي انكشفت هذا الصباح، لابد أن يُقدِّر مسیو "نوارتییه دی فیلفور" استحالة عقد أي صلةٍ بين أسرته وأسرة "فرانز دي بیناي"، وإنه ليُدهِشني ويصدمني أن مسيو "دي فيلفور" - الذي ظهر أنه كان على علمٍ بكل الظروف التي انكشف أمرها هذا الصباح - لم يبادر إلى إخطاري بها قبل الآن.  الإمضاء: "فرانز".]]]

وفي اليوْم التالي دعا "نوارتييه" مُسجِّل العقود وجعله يلغي الوصيّة الأولى ويُسجِّل بدلاً منها وصيّةً أخرى يترك فيها كل ثروته لحفيدته "فالنتين" بشرط ألّا تنفصل عنه مدى حياته، وعندئذٍ شاع في كل مكان أن الآنسـة "دي فیلفور" وريثة الماركيز والماركيزة "دي سان ميران" قد استردَّت رِضا جدّها، وأنها سوف تصبح ذات إيرادٍ يبلغ ثلاثمائة ألف ريال.

وفي الساعة التاسعة من ذلك الصباح أرتدي "ألبرت دي مورسيرف" سُترةً سوْداء ومضى في خطواتٍ سريعةٍ مضطربةٍ في اتجاه دار الكونت "دي مونت کریستو" في "الشانزلزيه"، وفيما هو يعبر شارع "ممر الأرامل" رأى عربة الكونت واقفةً أمام حانوتٍ لأسلحة الرماية هناك، ثم خرج الكونت في هذه اللحظة من الحانوت فابتدره الشاب من دون أن يؤدّي التحيّة المفروضة:

-       إني سوف أبارز اليوْم .. وقد جئت أرجو منك أن تكون شاهدي.

فأجابه الكونت:

-       هذه مسألةٌ أخطر من أن تُناقَش في الطريق .. فلندع الحديث فيها حتى نصل إلى البيْت.

ثم استقل كلاهما عربة الكونت إلى منزله فبلغاه بعد دقائق، وهناك أخذ الكونت ضيْفه إلى حجرة مكتبه وبعد أن جلسا قال له:

-       فلنتحدَّث الآن في الأمر بهدوء .. مَن الذي تعتزم مبارزته؟

-       "بوشان" فقد نشر في صحيفته في الليْلة الماضية .... ولكن انتظر واقرأ بنفسك.

وأعطى "ألبرت" الصحيفة للكونت، فقرأ فيها الفقرة التالية:

[[[تلقيْنا من مراسلنا في "يانينا" ما يكشف الستار عن حقيقةٍ كُنّا نجهلهـا حتى الآن، وهي أن القلعة التي كانت تحمي المدينة قد سُلِّمت إلى الأتراك بواسطة ضابطٍ فرنسي يُدعى "فيرناند" كان الوالي "علي" باشا قد وضع فيه ثقته الكاملة.]]]

وقال له الكونت بعد أن أتم القراءة:

-       ماذا يهمك من أن قلعة "يانينا" سُلِّمت بواسطة ضابطٍ فرنسي؟

فقال "ألبرت":

-       إن أبي الكونت "دي مورسيرف" هو الضابط المقصود .. فإن اسمه الأوّل "فيرناند".

فقال الكونت مُهدِّئاً ثائرة الشاب:

-       ما أظن أن في "فرنسا" مَن يعرف أن الضابط "فيرناند" والكونت "دي مورسيرف" اسمان لشخصٍ واحد؟ .. ثم مَن ذا الذي يعني الآن بقلعة "يانينا" وقد سقطت سنة ١٨٢٢ أو سنة ١٨٢٣؟ .. ولم يعد أحد يذكر عن ذلك شيئاً بعد مُضي هذا الوقت الطويل.

ولكن الشاب بقى ثائراً وقال:

-       هـذا يدل على حقارة الفِرْية .. لقد سكتوا كل هذا الوقت ثم جاءوا الآن فجأةً فبعثوا الحوادث التي كانت قد نُسيَت ليتخذوها مادّةً للفضيحة يلطِّخون بها مركزنا الرفيع .. إني ذاهبٌ إلى "بوشان" الذي نشرت صحيفته هـذا النبأ وسوف أُصِر على مطالبته بتكذيبه.

وتناول "مورسيرف" قُبّعته وغادر الغرفة إلى حيث استقل عربته واتَّجه بها فوْراً إلى مكتب الصُحفي "بوشان"، فاستقبله هـذا مُرحِّباً وهو يُطلق صيْحة دهشةٍ لرؤية صديقه يقذف بالصُحُف التي على المكتب إلى الارض ويدوسها بقدمه في انفعال، بينما استمر هو يصيح به وهو يمد يده لمصافحته:

-       هيه .. هيه يا عزيزي "ألبرت" .. هل فقدت وعيك؟ .. أم هل جئت لتتناول الإفطار معي.

فأجابه الشـاب:

-       "بوشان" .. لقد جئت أُحـدِّثك في شأن نبأٍ نشرته صحيفتك أمس .. وينبغي أن تُكذِّبه فوْراً .. ولكن يبدو أنك تجهل تماماً علاقتي بهذا الخبر.

-       هذه هي الحقيقة وأُقسم بشرفي.

ثم أخذ "بوشان" يبحث عن نُسخةٍ من الصحيفة، فقال له "ألبرت":

-       إليك نسختي فقد أحضرتها معي.

فتناول "بوشان" الصحيفة وقرأ النبأ الذي أشار إليه صديقه، فلما فرغ من ذلك سأله:

-       هل الضابط المُشار إليه قريبك؟

-       إنه أبي .. مسیو "فيرناند مونديجو" .. أو الكونت "دي مورســيرف" .. الذي حارب في عشرين معركةً وحصل على أوْسمة الشرف من الجروح والإصابات التي يحاولون الآن اعتبارها وصمات عار.

فهز "بوشان" رأسه أسفاً وقال:

-       أهو والدك؟ .. هذا أمرٌ آخر .. في هذه الحالة أستطيع أن أفهم سبب غضبك يا عزيزي "ألبرت" .. لكن الخبر المنشـور ليس فيه ما يدل على أن الضابط "فيرناند" هو والدك.

فقال "ألبرت" وقد استبد به الغضب والحَنَق:

-       سوف أُرسـل إليك شهودي .. ولك أن تتَّفق وإيّاهم على مكان اللقاء وموْعده ونوْع السلاح.

فقال:

-       حسناً .. إنني أقبل أن أبارزك .. لكني أطلب مهلةً قدرها ثلاثة أسابيع .. وسوف أجيئك في نهايتها لأقول لك: "لقـد كان النبأ كاذباً وسأكذِّبه" .. أو لأقول: "إن الخبر المنشور لا شك في صحّته" .. ثم أستل سيْفي من غمده أو مسدسي من جرابه - حسبما تشاء ـ لأبارزك.

فصاح "ألبرت" وهو ينهض لينصرف:

-       ثلاثة أسابيع .. إنها سوف تمر كأنها ثلاثة قرون.

وقبل أن يغادر مكتب "بوشان" صب غضبه على كوْمةٍ من الصُحُف راح يطوِّح بها في أرجاء الغُرفة بعصاه.

وفيما هو في عربته لمح "مكسمليان موريل" يسير في الطريق بخطىً سريعةٍ ونظرةٍ مُشرِقة، فحدَّث نفسه قائلاً:

-       إنه لسعيدٌ ولا شك.

ولم يُخطىء في رأيه، فقد كان "مكسمليان" سعيداً جداً في تلك اللحظة، إذ كان في طريقه إلى مسير "نوارتييه" الذي أرسل يدعوه لسببٍ لا يعلمه، وحين وصل إلى الدار أدخله الخادم "باروا" من مدخلٍ خاص، ثم أغلق عليه باب حجرة سيّده، وسرعان ما سمع الشاب حفيف ثوبٍ يُعلِن قدوم "فالنتين" وابتدرته الفتاة قائلة:

-       مسیو "موریل" لقد اعتزم جدّي أن ينتقل من هذا البيت .. وقد شرع "باروا" يبحث له عن مسكنٍ ملائم.

فسألها:

-       وماذا تفعلين أنتِ يا آنسة "دي فيلفور" وهو لا غِنى له عنكِ؟

فأجابت بقولها:

-       إني لن أترك جدّى .. هذا شيءٌ مفهومٌ فيما بيننا ولسوف يكون مسكني قريباً من مسكنه .. وإذا وافق أبي على ذلك فسوف أترك البيت على الفور .. أمّا إذا لم يوافق فسوف أُضطَّر إلى الانتظار حتى أبلغ سِن الرُشد بعد نحو عشرة شهور .. وعندئذٍ أغدو حُرّةً وتكون لي ثروةٌ مستقلِّةٌ أستطيع بفضلها - وبموافقة جدّي _ أن أُنجِز وعدي لك.

ثم التفتت إلى جـدّها وقالت له:

-       هل أحسنت التعبير عن رغبتك یا جدّاه؟

فأوْمأ المشلول مُوافِقاً، بينما هتف الشاب وقد استبدَّت به رغبةٌ في أن يجثو على ركبتيْه خاشعاً أمام "نوارتييه" و"فالنتين":

-       ربّاه ماذا فعلت في دنیاي کي استحق كل هذه السعادة؟!

وأشار "نوارتييه" بعيْنيْه إلى إبريقٍ يحوي شراب الليْمون وبجانبه كأسٌ فارغة، وكان الإبريق مملوءاً حتى آخره تقريباً، باستثناء القدر الذي شربه "نوارتييه" منـذ حين، فقالت "فالنتين" للخادم الوفي:

-       هيا يا "باروا" .. خُذ بعض هـذه الليمونادة .. فإني أراك تشتهيها.

فأجاب "باروا":

-       أعترف یا آنستي بأني أكاد أموت ظمأً .. وما دُمتِ قد تعطَّفتِ فأذنتِ لي في ذلك فلست أزعم أني سأمانع في أن أشرب قليلاً منها نخب صحّتكِ.

وفيما كانت "فالنتين" و"مكسمليان" يتبادلان تحيّة الوداع في حضور جدّها سمعا جرس الباب الخارجي يدق، فنظرت الفتاة إلى ساعتها وفي هذه اللحظة دخل "باروا" فسألته "فالنتين":

-       مَن القادم؟

فأجاب الخادم وهو يكاد يترنَّح كمَن يوشِك أن يسقط:

-       إنه الدكتور "دافریني".

وإذ ذاك سألته سيّدته:

-       ماذا بك يا "باروا"؟

لكنه لم يِجب بل حملق في سيّده بعيْنيْن جاحظتيْن وهو يستند بيده إلى قطعةٍ من الأثاث کي يتجنَّب السقوط، وازدادت حِدّة الأعراض التي بدت على الخادم بالتدريج، فاستدار وخطا بضع خطواتٍ ثم سقط عند قدميْ "نوارتییه"، وفي هذه اللحظة أقبل مسيو "دي فيلفور" على صوت الضجيج بينما صاحت "فالنتين" بزوْجة أبيها وهي تصعد السُلَّم لملاقاتها:

-       تعالي بسرعة وأحضِري معكِ زجاجة الأملاح المنبِّهة.

فأجابتها السيّدة "دي فيلفور" في صوْتٍ خشنٍ غاضبٍ وهي تهبط السُلَّم وقد أمسكت بإحدى يديْها منديلها تمسح به وجهها، وأمسكت باليد الأخرى زجاجة الأملاح المنعشة:

-       ماذا حدث؟

واتَّجهت بنظرتها الأولى لدى دخولها الغرفة نحو "نوارتييه" الذي كان وجهه - باستثناء الانفعال الذي لا بُد أن يُحدِثه فيه مثل هذا الحادث - ينم عن اكتمال العافية .. وعندئذٍ نقلت المرأة بصرها إلى الخادم المُحتضِر، فشحب وجهها على الفوْر وعادت تنظر إلى سيّده، وفي اثناء ذلك هتفت "فالنتين" بـ"مكسمليان":

-       اذهب أنت بأسرع ما تستطيع .. وابقَ حيث أنت حتى أُرسِل في طلبك .. اذهب.

ونظر الشاب إلى "نوارتييه" مُستأذِناً في الانسحاب، فمنحه العجوز إذنه وهو محتفظٌ بهدوئه المألوف، فقبّل الشاب يد "فالنتين" مُودِعاً، ثم غادر المنزل عن طريق السُلَّم الخلفي، وفي اللحظة التي ترك فيها الحجرة دخلها "فيلفور" والطبيب قادميْن من بابٍ آخر، وكان الخادم المُصـاب يبدو كأنما استرد بعض وعيه، فاشترك الرجلان في حمله إلى أريكةٍ مريحة، وهتف "دي فیلفور":

-       انظر .. انظر یا دکتور .. ها هو ذا يعود إلى رُشده ثانيةً .. إني لا أعتقد في الواقع أنه أمرٌ ذو بال.

فأجابه الطبيب بابتسامةٍ ساخرةٍ وهو يستجوب المريض الذي أفاق:

-       بماذا تشعر یا "باروا"؟ .. ماذا أكلت اليوْم؟

فأجاب "باروا":

-       لم آكل بعـد .. وإنما شربت قدحاً من شراب الليمون الذي يخُص سيّدي.

-       وأين هذا الشراب؟

-       لقد أعدته منذ لحظاتٍ إلى المطبخ.

فهُرِع الطبيب نحو السُلَّم الخلفي المؤدّي إلى المطبخ، وكاد أثناء اندفاعه يصطدم بالسيدة "دي فيلفور" التي كانت بدوْرها متَّجهة إلى المطبخ، فصاحت تستوْقفه لكنه لم يعبأ بها وهبط الدرجات الأربع الباقية في قفزةٍ واحدةٍ ثم اقتحم المطبخ فوجد الإبريق وقد بقي فيه نحو رُبع الشراب، فأخذه في يده وعاد إلى الغرفة التي كان فيها، وأثناء عوْدته صادف السيّدة "فيلفور" صاعدةً إلى غُرفتها في خطواتٍ بطيئة، وسأل الطبيب الخادم المصاب:

-       هل هذا هو الإبريق الذي شربت منه؟

فأجابه:

-       نعم.

وصب الطبيب قطراتٍ من الشراب في راحة يده ثم تذوّقها وبصقها في المدفأة، بينما صاح به "باروا":

-       أغثنی یا دکتور .. النوْبة ستعود ثانيةً.

فأجابه الطبيب:

-       كلّا أيّها الصديق .. إنك لن تلبث أن تستريح.

قال الخادم التَعِس:

-       آه .. إني أفهم ما تعنيه .. یا إلهی .. ارحمني.

ثم أطلق صرخةً مروِّعةً وسقط على ظهره كأنما أصابته صاعقة، فجذبه الطبيب من إبطيْه إلى غرفةٍ مجاوِرةٍ ثم عاد ليأخــذ إبريق شراب الليْمون وقال مخاطِباً "د فيلفور":

-       تعالَ هُنا.

وحين جلسا في الغرفة التي رقد فيها المصاب سأله "دي فيلفور":

-       هل النوْبة مُستمِرةٌ يا دكتور؟

فأجاب:

-       بل إنه قد مات .. لكن هذا ينبغي ألّا يُدهِشك .. فقد سبقه كل من الماركيز والماركيزة "سانت ميران" إلى مثل هذا المصير العاجل الغريب.

فصاح هذا في رعبٍ وفزع:

-       ماذا؟ .. أما زِلت تحوم حوْل تلك الفكرة الرهيبة؟

فأجابه الطبيب:

-       نعم يا عزیزي .. وسوف أظل كذلك دائماً .. فإن الفكرة لم تبرح ذِهني لحظةً واحدة .. ولكي تكون على ثقةٍ من أني لم أُخطِىء هذه المرّة أرجو أن تُصغي جيّداً لما سأقول: هناك نوعٌ من السموم يقتل دون أن يُخلِّف أثراً .. وأنا أعرفه جيّداً .. وقد درسته في جميع أشكاله ووسائل ترکیبه وآثاره .. وقد تبيَّنت وجود هذا السُم في حالة "باروا" التَعِس كما تبيَّنته في حالة الماركيزة "دي سانت ميران" .. وسوف أُجزم بذلك أمام الله والناس.

فلم يُجِب "فيلفور" بكلمة، واكتفي بأن ضم يديْه وفتح عيْنيْه الجاحظتيْن ثم غاص في أقرب مقعد.

الانتقام الإلهي

انطلق الكونت "دي مونت كريستو" في طريقه إلى داره الريفيّة في "أوتوي" يصحبه تابعه "علي" وبعض خدمه الآخرين، كما أخذ معه بعض جيـاده الجديدة ليستوْثِق من قُدرتها، وبعد حين دخل عليـه خادمه "بابتستان" يحمل خطاباً على طبقٍ من الفِضّة، وقدَّمه له قائلاً:

-       رسالةٌ هامّةٌ عاجلة.

ففض الكونت الخطاب وقرأ فيه:

[[[يهمّني أن أنبِّه الكونت "دي مونت كريستو" إلى أن رجلاً سيتسلَّل الليْلة إلى بيْته في "الشانزلزيه" بُغية سرقة بعض الأوراق الهامّة المفروض أنها في منضدة مكتبه الصغير.]]]

وكان أوّل خاطرٍ جال بذهن الكونت لدى قراءة الرسالة أنها خُـدعةٌ مكشوفةٌ يُراد بها تحويل انتباهه إلى خطرٍ تافهٍ في سبيل تعريضه لخطرٍ أعظم، فكاد يُبلِغ الأمر إلى البوليس برغم نصيحة كاتب الخطاب، ثم خطر له أن السارق المجهول قد يكون خصماً شخصيّاً له، فحدَّث نفسه:

-       إنه لا يريد أوراقي .. بل يريد قتلي .. إنه ليس سارقاً وإنما هو قاتل.

وإذ ذاك نادى خادمه "بابتستان" وقال له:

-       عُد إلى "باريس" حالاً واجمع خَدَمي جميعاً وأحضِرهم إلى هُنا.

ثم أعرب الكونت عن رغبته في أن يتناول طعامه وحده وألّا يخدمه خلاله غير تابعه "علي"، وإذ فرغ من تناوله بهدوئه واعتـداله المأثوريْن أشار إلى "علي" كي يتبعه، ثم خرج من بابٍ جانبيٍ فاستقل عربته إلى غابة "بولونيا"، وهناك استدار - دون خِطّةٍ مرسومة - نحو طريق "باريس" .. فلمّا حان الغروب وجد نفسه تجاه داره في "الشانزلزيه"، ودلف إلى مخدعه ثم أشار إلى على كى يقف هناك، ومضى هو وحده إلى غرفة الزينة ففحصها بدِقّة، ووجد كل شيءِ فيها كما تركه، ومنضدة المكتب الثمينة في مكانها، والمفتاح على دُرجها، فأغلقه بعنايةٍ وأخذ المفتاح عائداً إلى باب المخدع ففتح مزلاجه المزدوج ودخل، وفي أثناء ذلك كان "علي" قد جهَّز الأسلحة التي طلبها الكونت، فتسلَّمها منه ثم وقف خلف نافذةٍ من نوافذ المخدع موازيةٍ لنافذة غُرفة الزينة ومُطِلَّةٍ على الشارع.

وانقضت ساعتان على هـذا المنوال، ودَقَّت ساعة "الإنفاليد" مؤذِّنةً بانتصاف الليْل، ولم يكَد صدى الدَقَّة الأخيرة من دقّاتها يتلاشى حتى خُيِّل إلى الكونت أنه سمع صوْتاً خفيضاً صادراً من حُجرة الزينـة ثم تكرَّر الصوْت مرّةً ثانية فثالثة فرابعة، وعندئذٍ أدرك الكونت أن يداً بارعةً ذات خبرةٍ تحاول كَسْر زُجاج النافذة بماسة، وكانت تلك النافذة مواجهةً للفتحة التي يستطيع الكونت أن يرى خلالها من مكانه ما يجري في غرفة الزينة، ومن ثَمَّ ركَّز بصره على النافذة فرأى في الظلام شبحاً يمد يده من خلال الثغرة التي فتحها في الزجاج فيفتح النافذة من الداخل ثم يثب منها إلى الغُرفة فهمس الكونت:

-       يا له من جريء.

وفي تلك اللحظة لمس "علي" کتف سيّده مشيراً له من خلال النافذة المُطِلَّة على الطريق إلى شخصٍ يقف في الشارع، فهمس الكونت:

-       إذن هما شخصان .. أحدهما يتسلَّل إلى البيْت والآخر يُراقِب مدخل الدار.

ثم أوصى "علي" بألّا يدع الشريك الذي في الشارع يغيب عن بصره، واستدار هو ليرقب الشخص الذي دخل حجرة الزينة، فرآه يتَّجه إلى منضدة المكتب ويحاول فتحها بطائفةٍ من المفاتيح المصطنعة مُستعيناً على اختيار المفتاح المناسب بضوء "بطاريّة" ما لبث ضوْؤها الشاحب أن وقع على وجهه ويديْه، فحدَّث الكونت نفسه قائلاً وهو يتراجع:

-       يا إلهي.  

وفي تلك اللحظة لمح الكونت تابعه "علي" يرفع في يده آلةً حادّةً أشبه بالفأس فهمس له:

-       لا تتحرَّك .. ودَع فأسَك .. فلن يحوجنا الأمر إلى سلاح.

ثم همس له ببضع كلماتٍ أخرى مضى هذا على أثرها دون أن يُحدِث صوْتاً، ثم عاد بعد حين يحمل رداءً أسود وقُبّعة مُثلَّثة الأركان، وفي أثناء ذلك كان الكونت قد خلع سُترته وصداره وقميصه ثم ارتدي دِرعاً من الفولاذ وفوْقه رداء رجال الدين الكهنوتي الأسود، وأخفى شعره تحت جُمَّةٍ (كُتلةٍ) من الشعر المستعار كالتي يرتديها القساوسة، وحين وضع فوقها القُبَّعة المثلَّثة الأركان تحوّل الكونت في لحظةٍ إلى قسيس، ثم أخرج من أحد الأدراج شمعةً أضاءها، وفيما كان اللص مُستغرِقاً في محاولة فتح القُفل فتح الكونت الباب دون صوْتٍ وهو يحمل الشمعة بحيث يقع ضياؤها مباشرةً على وجهه فذُعر اللص، بينما قال له الكونت:

-       طاب مساؤك يا عزیزي "کادروس" ماذا تفعل هنا في هذه الساعة؟

فهتف "كادروس" في دهشةٍ وذُعر:

-       الأب "بوزوني"؟!

وأفلتت يده المفاتيح فسقطت على الأرض، وراح يتطلَّع حواليْه باحثاً عن وسيلةٍ للهرب، فلاحقه الكونت قائلا:

-       أرى أنك ما زلت كما عهدتك دائماً: قاتلاً .. ألم تقتل الجوْهري الذي ابتاع منك الماسة التي أعطيتك إيّاها؟

فأجاب في صوتٍ مُرتجِف:

-       نعم هذا صحیحٌ یا سیّدي القس.

فعاد يسأله:

-       مَن الذي أخرجك من السجن؟

فأجاب:

-       اللورد "ويلمور".  

فسأله:

-       أكان ذلك الثري الإنجليزي يتولَّى حمايتك؟

فأجاب:

-       لا .. لم يكُن يحميني أنا .. بل كان يحمي شابّاً کورسیکیّاً كان زميلي في السجن يُدعى "بنديتو" .. وقد صار هذا الشاب الآن ابنا لثريٍ عظيمٍ هو الكونت "دي مونت كريستو" الذي نحن في بيته الآن.

فقال له الكونت وقد أخذه العجب هو الآخر

-       "بندیتو" صار ابنا للكونت "دي مونت کریستو"؟! .. كيف كان ذلك؟

فقال "كادروس":

-       أعتقد ذلك .. فإن الكونت قد أوْجد له أباً زائفاً .. وصار يعطيه راتباً شهريّاً قدره أربعة آلاف فرنك .. فضلاً عن نصف مليون فرنك تركها له في وصيّته.

فقال الكونت وقد بدأ يفهم:

-       ما هو الاسم الذي يحمله ذلك الشـاب الآن؟ .. أتعني "أندريا كافالكانتي"؟ .. ذلك الشاب الذي استقبله صدیقي "الكونت دي مونت كريستو" في منزله؟ .. والذي سيتزوَّج من الآنسة "دانجلر"؟

فأوْمأ "كادروس" موافِقاً، بينما واصل الكونت كلامه قائلاً:

-       كيف تُصدِّق ذلك أيّها التَعِس .. وأنت تعرف حياته وجرائمه؟

فقال:

-       لم أشَأ أن أقف عقبةً في سبيل صديقٍ من زملائي.

فرد عليه الكونت قائلاً:

-       أنت على حق .. وإذن سأتولّى أنا لا أنت إبلاغ هذه الحقيقة إلى البارون "دانجلر" .. سأكشف له كل شيء.

وغمغم "كادروس" قائلاً:

-       إنك لن تفعل مثل هذا يا سيّدي القس.

وفي مثل لمح البرق استل "كادروس" خنجره وطعن به الكونت في صدره .. وشد ما كان عجبه وفزعه حين ارتد الخنجر مكسوراً بدلاً من أن يثقب صدر القس المزعوم، وفي اللحظة نفسها قبض الكونت بيسراه على مِعصَم "کادروس" وضغط بقوّةٍ جعلت الخنجر يسقط من بين أصابعه المُتقلِّصة، فأطلق صرخة ألمٍ حادّة، لكن الكونت استمر يضغط مِعصم الشقي حتى اضطره إلى أن يرتمي على الأرض وهو يتأوَّه، وعندئذٍ وطأ الكونت رأس "كادروس" بقدمه قائلاً:

-       لست أدري ما الذي يمنعني من أن أسحق جُمجُمتك؟!

فصرخ "كادروس":

-       الرحمة .. الرحمة.

واذ ذاك سحب الكونت قدمه وقال له:

-       انهض .. خذ هذا القلم وهذه الورقة واكتب ما أُمليه عليك.

فجلس "کادروس" وقد أذهلته قوّة القس الخارقة، وكتب:

[[[سيّدي، إن الرجل الذي تستقبله في بيْتك والذي تعتزم أن تزوِّجه لابنتك هو قاتلٌ فر معي من السجن المؤبَّد في "طولون"، وقد كان يُعرَف باسم "بنديتو"، وكان رقمه (59) بينماكان رقمي أنا (58) .. وهو يجهل اسمه الحقيقي لأنه لم يعرف لنفسه أباً.]]]

واستطرد الكونت فقال لـ"كادروس":

-       هيّا .. وَقِّع على الخطاب .. واكتب العنوان: إلى البارون "دانجلر" المالي الكبير .. شارع "دي لاشوسیه - دانتان".

فكتب "كادروس" ما أُملي عليه، وحين فرغ من ذلك صاح به الكونت وهو يشير إلى النافذة:

-       والآن أغرب عن وجهي.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent