خبر
أخبار ملهلبة

الأمن والأمان | حد ضامن يمشي آمن أو مآمن يمشي فين (1)


رسم كاريكاتيري ليد تكتب عبارة بلد الأمن والأمان بالدماء

الأمن والأمان (1)

 


ديسمبر 2020 :



استيقظت صباح اليوم مبكراً كعادتي وبعد أن تثائبت وتمطّيْت وطرقعت بعضاً من مفاصلي الصدِئة نهضت بتثاقلٍ وأنا أبحث عن الراديو لسماع برامجه الصباحيّة أثناء استعدادي لممارسة الطقوس اليوميّة قبل الذهاب للعمل، وفي إحدى المحطات الإذاعيّة كانت المذيعة اللثغاء تقول: "ثباح الخير عليكم .. ثباح الثعادة في كل مكان .. ثباح الأمل .. ثباح العمل .. ثباحِك جميل يا "مَثْر" .. وطبعاً أعزائي المثتمعات والمثتمعين مافيش خير ولا ثعادة ولا أمل ولا عمل من غير الأمن والأمان .. يبقى ثباح الأمن والأمان على عيونكم".

وأثناء خلعي لملابسي واستسلامي التام تحت زخّات الدُش الساخنة استمرّت المذيعة في الرغي: "طبعاً بلدنا الجميلة مشهورة بالأمن والأمان .. ربنا قال في كتابه العزيز: "وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين" .. يا ترى إيه مفهوم الأمن والأمان عندكم أعزائي المثتمعين؟ .. ح اثتنّى مكالماتكم على تلاتة تمانية خمثة وخمثين اتنين تلاتة ثِفرين .. بث الأوّل معانا مراثلنا من أحد شوارع القاهرة علشان يقول لنا الحالة المروريّة زي ثباح كل يوم .. آلو .. آلو .. أيوة يا "ثمير" .. ثامعني؟ .. آلو .. الظاهر الخط اتقطع .. معلهش ثيّداتي ثادتي .. الاتثالات بقت ثعبة قوي اليومين دول .. الشبكات بتقع كتير بعد ما رفعوا ثعر المكالمة وزوّدوا الضرايب على كروت الشحن .. ده حتى الكارت أبو خمثين أكلوا نُثّه وبقى بيدي مكالمات بخمثة وعشرين بث .. عموماً نرجع لموضوع الأمن والــ .... أيوه أيوه .. كده انا ثامعاك يا "ثمير" .. قول لنا إنت فين ده الوقت والأحوال عندك إيه؟ .. "ثمير" .. آلو يا "ابو ثمره".

وقبل أن أصغي إلى "ثمير" أقصد "سمير" فوجئت بانقطاع المياه عن الدُش وأنا أغرق في غلافٍ سميك من الصابون حول جسمي ووجهي ولكنني كأي مصري أصيل يشعر بالأمن والأمان دوْماً كنت مستعداً لهذه اللحظة التي تتكرّر كثيراً فمسحت الصابون من فوق عينيَّ وتناولت الكوز وغمرته في وعاءٍ (باستيللا ولا مؤاخذة) مملوء بالماء كرصيدٍ مائي احتياطي استراتيجي متواجد بالحمّام دائماً، وواصلت الاستحمام وأنا أولول كالأرملة الطروب أثناء جنازة زوجها بسبب تحوّلي المفاجئ من الاستحمام بالماء الساخن إلى التشطيف بالماء البارد في هذا البرد القار القارس القارص، ولكن هذا لم يمنعني من مواصلة سماع الراديو حين كان "سمير" (الذي اكتشفت أنه أيْضاً ألثغ في الراء وينطقها ياءً .. ويبدو أن الواسطة على أشدّها في تعيين اللُثَّغ في الإذاعة المصريّة) يصدح قائلاً: "أيوه يا "يانيا" .. صباح الخيي .. أنا ده الوقت قبل كوبيي أكتوبيْ على الطييق الدائيي .. للأسف الشوايع زحمة قوي والميوي واقف خالص .. أصل فيه عيبيّة نقل (لويي يعني) دخلت في عيبيّة ملاكي وموّتت كل اللي فيها .. ياجل ومياته وأولاده الأيْبعة .. بيقولوا إن عيبيّة الياجل وقعت في بلّاعة مفتوحة في نُص الشايع بتاعة صيْف صحي (مجايي يعني) فوقفِت فجأة فعيبيّة النقل خبطتهم من ويا ويَكَبِت فوق الملّاكي وفطّست كل اللي فيها .. الله ييْحمهم بقى .. وعلى فكية دي نفس البلّاعة اللي وقعت فيها واحدة ست وابنها الأسبوع قبل اللي فات .. فيما عدا ذلك فكل شيء تمام وصباح مُشيِق على كل الناس".

وانبعثتُ من الحمّام فارتديْت ملابسي بسرعة بعد أن أغلقت الراديو وخرجت من الشقّة ودخلت المصعد (الأسانسير) وأنا أتمتم بدعاء الركوب وجزءاً يسيراً من المعوذات الثلاث وآية "الكرسي" فربما تنقطع الكهرباء ويتعلّق المصعد ساعات (تحدث معي ومع غيري كثيراً) فأختنق وساعتها أقابل وجه كريم ولساني يلهج بذكره، وبعد أن خرجت سالماً – بفضل الله وحمده – وجدت الشارع غارقاً في مياه الأمطار فلبست كيسيْن أسوديْن من أكياس جمع القمامة (كنت أدخرهما في جيب الجاكت الداخلي لهذا الظرف) في ساقيَّ لعزلهما عن الماء بعد أن شمّرت فردتيْ البنطلون حتى الركبتين، وبينما كنت أخوض وأجدّف في الماء لاحظت وقوف سيّارة إسعاف على أوّل الشارع وعرفت من أحد المارة أن السيّارة أتت لنقل جثامين ثلاثة من التلاميذ صعقهم التيّار الكهربائي عندما كانوا يسيرون بجانب أحد أعمدة الإنارة (وإنّا لله وإنّا إليه راجعون) ولكنه طمأنني على أن المختصّين قطعوا الكهرباء الآن فقط تلافياً لوقوع المزيد من الصرعى.

 


(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent