خبر
أخبار ملهلبة

لقاء مع "محمد علي" (1) | مبررات وتفاصيل مذبحة القلعة

 

اكتشفت في البدروم المهجور لفيللا عائلتي "آلة الزمكان" التي اخترعها جدي ولم يخبر بها أحداً، وكل ما عليك هو أن تضبط مؤشر الزمان ومؤشر المكان حتى تنتقل إلى حين وإلى حيث ما تريد فقررت أن استغل هذه الآلة لتحقيق مجدٍ صحفي بمقابلة مشاهير الأرض على مر العصور لمعرفة الظروف التي دعتهم لاتخاذ أهم القرارات في التاريخ، ولكي أجبر كلاً منهم على قوْل الحقيقة دون مواراة كنت أتنكّر على هيْئة "عزرائيل" المعروف للناس فأدهن بعض وجهي بصبغةٍ سوْداء وأرتدي رداءاً أسود يغطّي رأسي وباقي جسمي وأحمل منجلاً طويلاً وأختار وقت لقاء الواحد منهم بعد منتصف الليل ليكون نائماً بمفرده فأوقِظه على منظري الرهيب وأطلب منه بصوْتٍ أجشٍ خشن أن يجيبني على أسئلتي بصراحة وإلا حصدت روحه في الحال فلا يسعه إلا أن يصْدِقني القوْل محاولاً الإفلات من الموْت وقد ارتعدت فرائصه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


محمد علي يجلس في قلعته أثناء مذبحة القلعة


لقاء مع "محمد علي" (1)



بعد ان انتهيْت من تنكّري على هيئة "عزرائيل" حملت منجلي الطويل ونزلت لبدروم الفيللا ثم ولجت داخل آلة الزمكان فضبطت مؤشر الزمان على فجر يوم الإثنين 1 مارس 1831 ومؤشر المكان على حجرة نوم "محمد علي" باشا الكائنة بقلعته وضغطت على زر الانطلاق فأضيئت كابينة الآلة بضوءٍ كالبرق وصدر عنها أزيزٌ مكتوم، وفي لحظات وجدتني في حجرةٍ كبيرةٍ مظلمة يتوسطها سريرٌ عريض يرقد فوقه "محمد علي" الكبير الذي بدأ يتململ على فراشه وينزع الأغطية التي كان يتدثّر تحتها بعد أن أثار صوت أزيز آلة الزمكان انتباهه وجعله يفيق من غفوته ويتلفّت حوله في توجّس حتى وقع نظره عليَّ وأنا أخرج من باب الكابينة على هيئتي المخيفة فصدرت عنه صرخةٌ مكتومة لم يسمح لها أن تخرج عاليةً حفاظاً على هيْبته ووقاره ولكنه لم يستطيع أن يمنع نفسه من سؤالي باستنكار:

-   مَن أنت؟ .. وكيف تركك الحرّاس والنواطير تدخل عليَّ في غرفتي الخاصّة؟

-   ألا تعرفني يا حضرة الوالي؟ .. تمعّن في ردائي وتفحّص منجلي جيّداً.

-   آآآآ .. غير معقول .. أأنت هوَّ؟ .. آآآآآآ .. ألست أنت ملاك الموْت!!!؟ (قالها بصوتٍ خفيضٍ هذه المرة دون خجل).

-   بلى .. أنا هوَّ .. وبالطبع لا تخفى عليك مهمتي.

-   و .. و .. و .. ولكني لم أحسب .. أقصد لم أتوقع مجيئك الآن.

-   ها .. ها .. هههه .. وهل يجب عليَّ أن أضرب معك موعداً من قبل؟

-   لا .. لا .. لم أعنِ ذلك .. ولكنني متفاجئ.

-   تفاجأ كما شئت .. فلم أعد أندهش من أمثالك الذين يظنون أنهم خالدون في هذه الدنيا الفانية ولم يعملوا حساباً للحظةٍ كهذي.

-   ولكن .. هل اعتدت على التحاور مع مَن تقبض روحهم أولاً أم تراك تحش الروح بمنجلك دون سابقة إنذار؟

-   أصدقك القوْل أني لا أحاور كل مَن آخذ أرواحهم .. إلا فقط عندما ينتابني الفضول لاستفسر ممَن أقصده لأسلّمه للموْت عمّا كان يقصده هوَّ أثناء حياته.

-   لا أفهم .. ماذا تعني؟

-   أعني أنني ربما أعيد النظر في الأمر وأؤجل مهمتي لأجلٍ بعيد إذا صدقتني الإجابة على أسئلتي.

-  وهل بيدك أن تؤخّر أجلاً أو تماطل في مهمة؟ .. أليس لكل أجّلٍ كتاب وأن من جاء أجله لا يستأخر ساعةً ولا يستقدم؟ .. ألست مأموراً بإنجاز مهامك؟

وهنا أسقط في يدي ولم أحر جواباً على أسئلة الرجل المنطقية، فكل روحٍ هي من أمر الله تعالى الذي يعلم ما في الغيب ويعلم السرَ وأخفى، وفكّرت لوهلة أن أكشف سري لهذا الباشا صاحب الفطنة والحنكة والحصافة ولكنني تماسكت وعقدت العزم على أن أغيّر استراتيجيتي معه فخير وسيلة للدفاع هي الهجوم؛ فما لبثت أن صحت فيه بصوتٍ جهوري:

-  مَن أنت يا هذا لكي تناقشني في أمورٍ يستحيل عليك فهمها؟ .. أتريد أن تخوض في شؤون الملكوت الأعلى أيها العبد التافه؟ .. ألم تسمع بقوله تعالى: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا".

-  استغفر الله العظيم .. اعذرني .. لم أقصد أن ......

-  صه! .. فلتجبني دون ثرثرة على ما سأطرحه عليك من تساؤلات .. ولكن بمنتهى الصدق .. فلو شعرت بجنوحك للكذب والتلفيق لن أتوانى للحظة في حصد روحك العفنة بمنجلي الحاد.

-  سمعاً وطاعة .. سمعاً وطاعة .. أنا طوع أمرك وبنانك .. تفضّل.

-  (متظاهراً بالهدوء) يا الله .. قل لي يا رجل ما الذي دعاك لهذه الفعلة الشنعاء؟

-  أية فعلة؟

-  أأفعالك الشنيعة كثيرةٌ لهذا الحد الذي تعجز فيه عن حصرها وتذكّرها؟ .. عموماً فأنا أقصد ما فعلته في مثل هذا اليوم منذ عشرين عاماً: مذبحة المماليك .. أيها الطاغوت القاتل.

 

                          

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent