خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | أصابع الديك الرومي على كتفيه (2)

ابن أبي صادق
الصفحة الرئيسية

كاتب القصة وصديقه يراقبان بابي الغرفة المسكونة التي يبيتان فيها ويسجلان الظوهر الغريبة التي تحدث فيها

أصابع الديك الرومي على كتفيه (2)



وفي يوم جنازة الملكة فيكتوريا نشرتْ نفس الصحيفة أن شابّاً أحبَّ فتاة واتفقا على الزواج وقرَّرا أن يُسافِرا بعد الزواج مُباشَرةً إلى الهند وأن يُغيّرا دينَهما هُناك وأن يعيشا معاً حياةً أبسطَ وأرق، وتناقش رجالُ الدين: هل هذا الشاب يُعتبَرُ كافراً؟، صحيحٌ أنه لم يُغيّرْ دينَه بعد ولكنه وعدَ بذلك، ثم أن الفتاةَ اعترفتْ بأنها لن تُغيّرَ دينَها إلّا بعد أن ترى الحياةَ في الهند وإلّا بعد أن يُقنِعَها رجالُ الدين الهنود بأن تغيّرَ دينَها، وقالَ أحدُ رجالِ الدين أن الشابَّ حُرٌّ في أن يفعلَ بقلبه ما يشاء، إن شاءَ جعله يتجهُ إلى الغرب أو إلى الشرق، فاللهُ موجودٌ في كل مكان وفي كل شيء، ومَن يدري فربما عاد من الهند إلى انجلترا أكثرَ إيماناً؛ فلماذا نحرمُهُ من حُريّةِ التفكير وحريّة الإيمان؟

ونشرتْ الصحيفةُ أيضاً أن أحد عُلماء الاجتماع قد أبدى ملحوظةً غريبةً وهيَ أن أبناءَ الأُسرةِ الواحدة إذا تزوَّجوا كان من نتيجة ذلك ظهورُ عددٍ كبيرٍ من المرضى والمُصابين بالتخلُّف العقلي وأنه لا يعرفُ بالضبط ما هوَ السبب وأنه يدعو غيْرَهُ من العلماءِ والأطباءِ إلى البحث عن الأسباب الأعمق وراءِ ذلك.

وفي هذا الجوِّ الواقعي العِلمي السياسي العسكري المثير نشرتْ الصحيفة قصّةً عجيبةً في ١٩٠١ كانت هذه مُقدِّمتَها: 

عزيزي القارئ: هذه القصّةُ هيَ أغربُ وأعجبُ ما رأيْنا وهيَ بقلم أديبٍ وكاتبٍ عظيمِ الشأن بل وصادقٍ إلى أبعدِ حَد ويتمتَّعُ بالإعجابِ والتقديرِ من ملايين الناس، وهوَ نفسُه لم يسمعها هذه القصّة من أحد ولا اخترعها وإنما هوَ رأى وسمعَ وأحس، ولم يكُن وَحده وإنما كانَ يجلسُ معهُ زميلٌ عظيمُ الشأنِ أيضاً وله سُمعةٌ هائلةٌ في هذه البلاد، وقد شهدها الاثنان وسمعاها وأحسّا بها وهُما في غاية الدهشةِ والذهول، وليْسَ عندَهُما دليلٌ واحدٌ ضِد هذا الذي

رأياه، وبعبارةٍ واحدة: إنهما لا يُؤمِنان بالأشباح والأرواح وهما في نفس الوقت لا يُكذِّبان الأشباحَ والأرواح، وليس لديْهِما دليلٌ واحدٌ على صِدْقِ أو كَذِبِ ما رأياه، ولكن كل كلمةٍ في هذه القِصّة صادقة، وهُما ينشرانِها ويترُكانِ للعُلماءِ ولرجالِ الدينِ والمُشتغلينَ بالدراسات النفسيّة والروحيّة والروحانيّة والغيْبيّة أن يقولوا كلمتهم.

أمّا القصّةُ نفسُها التي كتبها ذلك الأديب فكانت كالآتي:

سمعتُ أن هناك بيْتاً صغيراً لا يقوى أحدٌ على البقاء فيه سوى أسابيعَ قليلة وبسرعة يهجره وبأي ثمن .. والذي يترُكُ البيْتَ لا يقولُ شيْئاً أو على الأصح يقولُ أشياءً كثيرةً مُتضاربة .. ولا بُدَّ أن في الأمر شيئاً .. وأن هذا الشيء يغري أيَّ كاتبٍ مثلي أن يبحثَ عنه .. ومن الغريب أن بعض الذين سكنوا البيْتَ قد تركوا فيه كل شيء: الأثاث والكُتُب والملابس .. وهربوا بجلدهم .. ولكن لماذا؟

وقرَّرتً أن أذهبَ وأُقيمُ في هذا البيْت .. وأقنعتُ صديقاً لي وذهبنا إلى البيت .. البيتُ من سِت غُرَف .. الدوْرُ الأرضي لا يسكُنُهُ أحد .. ولكن الدوْر العُلوي هوَ الذي اعتادَ أن يسكُنه الناسُ وأن يهربوا منه .. الغُرَفُ كلُّها مُتداخِلة .. مفتوحةٌ بعضُها على بعض .. البيْتُ نظيف .. الأبوابُ كبيرة .. النوافذُ مُحكَمة .. المصابيحُ الكهربيّةُ تتدلّى من كل مكانٍ وبإسرافٍ شديد.

وقرَّرتُ إخلاءَ البيتِ من كل شيء: الكتب نقلناها والمقاعد والدواليب وأدوات الطعام والشراب .. لا شيءَ بالمرّة .. وجئتُ بعددٍ من الخدم نظّفوا البيْتَ تماماً .. وغسلوا الأبوابَ والنوافذ .. وأصلحوا كل شيء: الأبواب والنوافذ ومصابيح النور .. وأُحكِمَ كلُّ شيء .. ونظرتُ إلى صديقي وقُلتُ له إن الهواءَ نفسَه لا يستطيعُ أن يدخُلَ هذا البيْت!

وفي إحدى الليالي قرَّرنا أن نذهبَ إلى هذا البيت .. آه .. نسيتُ أن أقولَ إنني أخذتُ غُرفةً مُتوسِّطةً في هذا البيْت ووضعتُ فيها ترابيزة وحوْلها مقعديْن نجلسُ عليهما.

وجلسنا نتحدَّثُ في أي شيءٍ ونحن نعلمُ طبعاً أنه من الممكن أن يحدثُ أي شيء .. ووضعتُ الساعةَ أمامي على الترابيزة وإلى جوارها ورقةً وقلماً لكي أُسجِّلَ كل ما سوف يحدُثُ بالدقيقةِ والثانية .. وفي الساعة الثانية عشرة مساءً وأربع دقائق سمعنا صوْت فنظرَ كل واحدٍ منا إلى باب لأن الغُرفة لها بابان .. وتقاربتْ أيْدينا وضغطَ كُلٌّ منا على يد الآخر وتحرَّكتْ يدُ البابيْن فنظرنا نحن الاثنان بسرعةٍ إلى الاتجاهيْن .. وانفتح البابُ الأيسرُ برفقٍ شديد حتى انفتحَ على آخره .. وبعد ست ثوانٍ انفتحَ البابُ الآخرُ قليلاً قليلاً حتى انفتحَ على آخره هو الآخر .. وهذا كل شيء .. وسجَّلتُ أمامي في الورقة موْعد هذا الحادث بالساعة والثانية.

ونهضنا نحنُ الاثنان نُفتِّشُ في البيْتِ كله .. وكانت كل الأنوار مُضاءة .. لا أثرَ لأي شيء .. ولا يُمكِنُ أن يكونَ تيّارُ الهواءِ هوَ الذي فتحَ البابيْن .. غيْرُ معقولٍ أن يُحرِّكَ الهواءُ يدَ البابِ الأيمن والبابِ الأيسر الواحدَ بعد الآخر .. لا هواء ولا حتى أحد أيضاً .. شيءٌ غريب!



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX