أصابع الديك الرومي على كتفيْه (1)
في سنة ١٨٩٧ احتفلتْ بريطانيا بالعيد الماسي لحُكم الملكة فيكتوريا، وبعد أربع سنواتٍ اهتزَّتْ بريطانيا وأوروبا لوفاتها في جزيرة وايت، ونشرتْ الصُحُفُ كيف كانت الجنازة ومَن الذي حضر ومَن الذي غاب ومَن الذي سقطَ من البُكاء ومَن الذي انتحر حُزناً عليها.
وسمعَ الملك إدوارد (٦٠ سنة) أنه أصبحَ ملِكاً، ووصفتْ الصُحُفُ مرّةً أخرى الملك الجديد وكيف أنه يريدُ أن يكونَ مُختلِفاً وأن يكونَ عمليّاً وكيفَ أنه بسُرعة أصدرَ مرسوماتٍ بتغييراتٍ جوْهريّةٍ في القصر وفي علاقاته كملكٍ وحاكمٍ جديد!
وكانت الشهور الأخيرة من حياة الملكة حزينة، فقد كانت هُناك حروبٌ ضاريةٌ في جنوب أفريقيا وما تزال الصحف تنشرُ أيضاً كيْفَ أن البوير - أي الهولنديّين - ما يزالون يُقاومون ولكن الحربَ لم تتوقَّفْ، ونشرت صحيفة (ديلي ميل) كيف أن مراسلَها إدجار والاس - الذي أصبحَ أديباً كبيراً بعد ذلك - يؤكِّدُ للقُراء إن الحربَ في جنوب أفريقيا قد أوشكت على النهاية وإن هذه النهاية حتميّة وإنه يطلُبُ إلى الشعب الإنجليزى أن يصبرَ قليلاً، وقالت الصحيفة إن مُراسِلَها هذا شخصٌ موثوقٌ به وإن كلماتِه لها وزن وأنه يتمتَّعُ بسُمعةٍ طيّبة وكفاءةِ عالية.
ونشرت الصحيفة أيضاً في نفس يوم جنازة الملكة فكتوريا مناقشةً
حادّة بيْن عُضو مجلس عمومٍ شاب اسمه ونستون تشرشل وبيْن مندوب الصحيفة البرلماني، وموْضوعُ المناقشة أن هناك شائعاتٌ تقول بأن تشرشل لم ينجح في الهرب من معارك جنوب أفريقيا بسبب شجاعته ومهارته ولكن الهولنديّون هُم الذين أطلقوا سراحه، فكل ما يقوله عن نجاحه في محاولاته للهرب والحيَل التي لجأَ إليها كانت كلها من خياله، ونفي تشرشل كل ما قيل عنه وقالَ إنه هو الذي نجحَ في الهرب وإن الهولنديّين كانوا يُطالبون بعنقه، وقالَ إن لديه أدلةً على ذلك وإنه أُصيبَ أكثرَ من مرّةٍ وإن جُنوداً يشهدونَ على ذلك.
وقد كان تشرشل في العام الأسبق ضابطاً يُقاومُ الهولنديّين في جنوب أفريقيا، ووعدَ تشرشل بأن يستأنفَ الحديثَ في هذا الموْضوع الذي يرى أنه يَمَسُّ كرامته في صميمها؛ لا كجُنديٍّ فقط ولكن كعضو برلمان ومُواطِنٍ بريطانيٍّ وطني في الدرجةالأولى، وطلعت الصحف في الأيّام التالية دون أن يستأنفَ تشرشل كلامَه في هذه القضيّة كما وعد.
وفي نفس يوْم الجنازة نشرتْ الصحيفة أيضاً رسالةً من باريس تقول إن البوليس الفرنسي بعد أن كانَ يستخدمُ الدرّاجات عَدَلَ عنها واستخدمَ السيّارات، وهذه خُطوةٌ مُتطوِّرةٌ جدّاً، فمن مهام رجال البوليس أن يُلاحِقوا السيّارات التي تنطلقُ بسُرعةٍ جنونيّةٍ وتُهدِّدُ حياةَ الناس في الشوارع خُصوصاً السيّارات التي تمشي على الجانب الأيسر من الشارع، ولكن رأياً مُخالفاً آخرَ كانَ يقول إن سيّارات البوليس سوف ترتكب مُخالفاتٍ كثيرةً أثناء ذلك لأنها لكي تُطارد سيّارةً مُسرعة فسوف تكونُ هي أسرع منها وهذه مخالفة!، ولكي تُطارد سيّارةً مُسرعةً سوْفَ تمشى إلى يسارها مُسرعةً أيضاً وهذه مخالفةٌ ثانية، وسوف تُضطَّرُّ سيّارة البوليس إلى إطلاق أصواتٍ مُزعجةٍ جداً لتُحذِّرَ المُشاة والسيّارات الأُخرى وهيَ مُخالفةٌ أُخرى.
وأصبحت القضيّة الآن: مَن هوَ الذي يُلاحق سيّارات البوليس حتى لا تقعُ في كل هذه المُخالفات التي تُحذِّر المواطنين العاديّين من الوقوعِ فيها؟!
ويبدو أن الفرنسيّين لم يتفقوا على حل فهم بحُكْم العادة فلاسفة، وكل موضوعٍ لديهم له عِدّةُ أطرافٍ ونظراتِ ونظريّات وهذه مُتعتهم الكُبرى، هكذا قالت الصحيفةُ أيضاً!
وفي يوْم جنازة الملكة فيكتوريا نشرت صحيفة (ديلي ميل) أيضاً هذه القضيّة: "هل التدخين أثناء المشي في الشارع عيْب؟"، والمقصودُ هُنا هو تدخين المرأة وليس تدخين الرجُل!
وقيل في هذا اليوم أن الحياةَ أصبحتْ سريعة فلم يعُدْ لدى الإنسانِ وقتٌ لكي يفعلَ كل شيءٍ وهو جالس، أنه ينطلق انطلاقاً، فلماذا لا يُدخِّنُ في الشارع؟، إن الرجالَ يفعلون ذلك، ولم تعد هناك فوارقٌ كبيرةٌ بيْن الرجل والمرأة، وما دام الرجُلُ يُوافقُ على أن تُدخِّنَ المرأة فلماذا لا تُدخِّنُ في المكان الذي تراه أو يُعجبُها، هذا رأي، ورأيٌ آخرُ يقول إن مادّةَ النيكوتين ضارّةٌ بالرجُل ولكنها مُفيدةٌ للمرأة، رأيٌ ثالثٌ يقول إن مادّةَ النيكوتين تُضعِفُ الرجُلَ جِنسيّاً ولكن تُثير المرأةَ جنسيّاً فليس من العدل أن نصُبَّ الماءَ على رأس الرجُل ونُشعِلُ النارَ في جسم المرأة ثم نطلُبُ من الرجُل أن يقومَ بدوْر رجالِ المطافئ دونَ أن يكونَ رجلاً مُتكاملاً؟!، ورأيٌ رابعٌ يقول: من المُؤكَّد أن مادّة النيكوتين ضارّةٌ للرجل وللمرأة وكل إنسانٍ حُرٌ في أن يموتَ بالطريقةِ التي تُعجبُه وإن كانت المرأةُ لا تموتُ بنفس السُرعة ولا بنفس السهولة التي يموتُ بها الرجال، فمَن يدري ربما كانت هذه السجائر الرقيقة الناعمة هيَ السلاحُ الأكبرُ للقضاءِ على سلاحٍ آخرَ أكثرَ نعومةٍ ورِقّة أي المرأة.
