عاد ليقول ما الذي رآه بعد الموت (3)
وسكتت السيّدة نيكولا دون أن تنظُرَ إلى ابنها وابنتها، ثم عادت تقول:
وأخبَرني اللورد تايرون بأنني سوْفَ أتزوَّجُ مرّةً أُخرى وسوف أموتُ وفي بطني جنينٌ وأنا في الخمسين من عُمرى .. وسألتُه: ألا أستطيعُ أن أمنعَ ذلك؟ .. قال: في استطاعتك إذا لم تتزوَّجي .. وسألتُه: هل أنت سعيد؟ .. فأجاب: نعم وإلّا ما جئتُ إليكِ .. فقلت له: إذا طلعَ النهار فكيف أعرف أن الذي أراه الآن ليس وَهماً أو حلماً من الأحلام؟ .. فأجاب: ألم أقُلْ لكِ أننى مِتُّ منذ أيّام، أليْسَ هذا دليلاً كافياً؟ .. فقلتُ له: بل أُريدُ دليلاً أقوى .. قال: إذن سأكتُب لكِ سطراً في كراستِكِ هذه وأنت تعرفين خَطّي .. فقلتُ له: ما زلتُ لا أُصدِّق أُترُك لي دليلاً لا يقبل الشك .. قال: أعرفُ أن رأسَكِ ناشف وأنكِ ســـ…
عندئذٍ تقدَّمَ ابنُها ليقول لها:
أُمّي .. أرجوكِ أن تستريحي ولتُكمِلي هذه القصة فيما بعد .. فالناس كلهم ينتظرونك فاليوم عيد ميلادك .. وسوف يكون عندنا وقتٌ لكل شيءٍ لاحقاً .. أرجوكِ حتى لا تُقلقي الناس عليكِ.
وقالت ابنتُها وهي تبكي:
كثيرٌ على النفس هذا الذي قُلتِ يا أُمّي .. كفى .. سوف نسافرُ معاً بعد الاحتفال .. إن الحياةَ في هذا القصر قد تركتْ أثرَها العميقُ في نفسك.
وكأن الأم لم تسمع شيئاً فاستأنفت حديثَها:
وقالَ لي اللورد تايرون: إذن سأترُكُ أثراً على ذراعِكِ لا يُمحى حتى لا تشُكّي فيما حدثَ بيننا ولكن أرجو ألّا يراهُ أحدٌ ما دُمتِ حيّة .. ثم لمسَ ذراعي بأصابعه التي كانت كالرخام البارد فتركتْ أصابعه خمسَ علاماتٍ حمراء .. وطلبَ مني أن أُخفي ذلك الأثرَ بأن أربُطَ حوْلَ ذراعي شريطاً أسودَ ما دُمتُ حيّة.
ثم سكتت لتقول:
لا تُقاطِعني يا ولدي فما يزالُ هناكَ الجانبُ الرهيبُ من القِصّة .. فقد ماتَ أبوك في الوقت الذي حدَّدَهُ بالضبط .. وحاولتُ أن أُبطِلَ نبوءةَ اللورد تايرون فامتنعتُ عن الحياة الاجتماعيّة حتى لا أتزوَّج وحتى لا أموت أثناء الحمل واختفيْتُ تماماً عن الناس .. ولكن شعوراً قويّاً غَمَرَني ودفعَني إلى الإيمان بالله وإلى الصلاة فكُنتُ أُصلّي في صمت وأتوجّهُ إلى السماء وأطلُبُ الرحمةَ والمغفرةَ لكُلِّ الناس .. وكنتُ أقول: يا الله .. يا أقوى الأقوياء .. ارحمني .. إنني ضعيفة ولا أعرفُ من عظمتِكَ إلّا القليل .. ولا ذنبَ لى فعقلي صغير .. إنني نملةٌ على جبلِكَ الشاهق .. إنني شمعةٌ في شمسك الباهرة .. هكذا كُنتُ أُصلّي وأتعبَّد .. ولا أعرفُ كيف رأيْتُ زوْجى الثانى فجأة! .. أنه شابٌّ جميلٌ رقيق .. أصغرُ مني في السِّن فأحببتُه وقرَّرنا الزواج .. ولم أحتفلْ بعيد ميلادي الخمسين .. فقد خِفتُ أن تكونَ هذه هي النهاية .. ولمّا تجاوزتُ الخمسين كانت سعادتي لا حَدَّ لها فقد تجاوزتُ سِنَ الموْت الذي تنبأَ لي به اللورد تايرون .. ثم إننى حملت أيضاً بعدَ ذلك .. وأنتِ يا ابنتي تعرفين فرحة الأمومة .. حتى جاءَ كبيرُ الأساقفة .. وعرفتُ منه أنني أخطأتُ في الحساب طولَ هذه السنوات وإنني لم أتجاوزْ الخمسينَ بعد .. فأنا اليوْمُ حاملٌ وفي الخمسين .. ومعنى ذلك أنني سوف أموتُ لا محالة .. سوف أموتُ وفي بطني هذا الجنين!
وسكتَ الجميع فقالتْ الأم:
والآنَ يا ولدي ويا ابنتي: حانتْ لحظةُ الوَداع .. شيءٌ واحدٌ أخير أقوله لك يا ولدي: مبروك لقد قال لي اللورد تايرون أنك سوف تتزوج ابنته .. والآن اترُكاني وحدي.
وخرجَ الابن والابنة ونزلا إلى الضيوف ليقولا لهم أن والدتهما قد ألمَّ بها تعبٌ طارئ ولكنها بعد قليل سوف تكون أحسن، ولكن تعالت صيْحات خادمة أمهما فصعدَ الجميعُ إلى غُرفة السيّدة نيكولا حيث أعلنت لهم الخادمة وهيَ تبكي أن سيّدتَها قد ماتت.
وفي جنازة السيّدة نيكولا كانَ ابنُها يمشي إلى جوار فتاةٍ جميلة .. إنها ابنة اللورد تايرون، وأمامَ قبر أُمّه قالَ لها:
إن أُمّي لم تكُن تعرفُ أنني أُحبُّكِ قبل أن تموت ولم أُفاتِحْها حتى في الزواج منك رغمَ أنه كان في نيّتي أن أفعلَ ذلك في أقرب وقت .. ولكن والدُكِ كانَ يعرفُ ذلك تماماً .. ومن وقتٍ طويلٍ جداً.
فقالتْ له الفتاة في ذهول:
والدي! .. لا أفهم! .. إنه ميّتٌ منذُ فترةٍ طويلة.
فردَّ عليها قائلاً:
نعم والدُك .. هذا ما سوْفَ أرويهِ لكِ فيما بعد!
