عاد ليقول ما الذي رآه بعد الموت (2)
وكانَ الزوْجُ الجديد يُعلِنُ للناس أنه أكثرُ عِشقاً لزوْجته الجميلة الرقيقة المُتسامِحة من أي وقتٍ مضى، وكانت الزوْجةُ تقول: "لستُ مُتسامِحةً أو مُتهاوِنة وإنما مُتفاهِمة"، فيقولُ الزوج: "أحسنتِ التعبير .. فالتفاهُم أصعبُ من التسامُح .. وأنتِ جعلتِ الصعبَ سهلاً .. وهذه عبقريّتُكِ"، فترُد الزوْجة: "بل إنها عبقريّتُكَ أن جعلتنى هكذا"، وكانَ هذا الحوارُ مألوفاً بيْن الزوْجيْن وعلى مسمعٍ من الناس.
ومضت السنين وقرَّرتْ السيّدة نيكولا هذه أن تحتفلَ بعيد ميلادها الواحد والخمسين، وكانت في أقصى درجات السعادة وتُريدُ أن تحتفلَ بشيءٍ آخر: إنها حامل، وكانَ زوْجُها أسعدَ منها، وشاءت أن تجعلَ الاحتفالَ كبيراً فدعتْ الأصدقاءَ والصديقاتِ وكذلك طبيبَ الأُسرة وكبير أساقفة مدينة دبلن بأيرلندا وابنها الأكبر ماركوس (٢٢ سنة) وابنتها المُتزوِّجةَ الليدي جانيت وزميلاتها في الدراسة، وطلبت من خادماتها دعوة صديقاتهن أيضاً.
وعندما جاءَ كبيرُ أساقفة دبلن فتحوا له الأبواب ودخلَ مُباشَرةً إلى غُرفة السيّدة نيكولا فنهضتْ لاستقباله، وتحاورا معاً:
سعيدٌ برؤيتكِ يا ابنتي الصغيرة.
صغيرة! .. إنني لم أعُد صغيرةً يا أبي.
لا تبدو عليكِ سِنُّكِ يا ابنتى .. فأنتِ جميلةُ الروح شابّةُ الوجه.
في الواحدة والخمسين من عُمرى وتقولُ عنّي شابّة.
فعلاً شابّة .. ولكن مَن قالَ إنكِ في الواحدةِ والخمسين؟! .. لقد ناقشتُ هذا الموْضوعَ مع والدتِكِ منذُ سنوات.
نعم .. في الواحدة والخمسين لأنني قد وُلِدتُ مع اللورد تايرون في عامٍ واحد .. فقد وُلِدَ سنة ١٦٦٥.
لا أظُن ذلك يا ابنتي .. أنتِ وُلِدتِ سنة ١٦٦٦ .. وأنا أعرفُ ذلك جيّداً .. وُلِدتِ يوْمَ الحريق الشهير الذي شَبِّ في لندن .. وكان ذلك سنة ١٦٦٦ .. هذا لا جدالَ فيه .. فأنتِ الآنَ في الخمسين من عُمرِكِ.
وامتقعَ وجهُها، وتساقطت على الفراش، واقتربَ منها كبيرُ الأساقفة يُعاوِنُها على الوقوف، ولكنها اعتدلت في وقفتِها بسُرعةٍ وقالت:
يا أبي أنتَ الآنَ حكمتَ بموْتي .. سوفَ أموتُ لا شكَّ في هذا .. وفي وقتٍ قريبٍ جدّاً .. أقربُ ممّا تتصوَّر .. أرجوكَ أن تستدعي ابني وابنتي .. أرجوكَ بسُرعة.
وخرج كبيرُ الأساقِفة واستدعى ابنها وابنتها، ودخلَ الاثنان فطلبت إليهما أن يُغلِقا البابَ بالمفتاح وألا يُدخِلا أحد وأن يستمِعا إلى قصتها، فقالت الأم:
ليْسَ عندي مُتسعٌ من الوَقت لأنني سوْفَ أموتُ اليوْم .. فأرجو
أن تستمعا إلى قِصّتي.
وتمدَّدتِ الأُمُّ في فِراشها لتقول:
تعلمان أنني واللورد تايرون كُنّا صديقيْن أخويْن كالتوْأم .. وكانَ يُشرِفُ على تربيتِنا نحنُ الاثنيْن رجُلٌ من رجالِ الفلسفة .. وكانَ مُتحرِّراً كافراً لا يُؤمِنُ باللهِ ولا بالقيامة ولا بأي شيءٍ مُطلَقاً .. كانَ يرى أن الدُنيا هيَ حياتُنا وبعدَها لا شيء .. وأننا نموتُ كالكلاب أو الأشجار .. لا شيءَ بعد هذه الحياة .. فليس لنا غيْرُها .. ومن الأفضلِ أن نعيشَها كما يحلو لنا فنحنُ أحرارٌ نفعلُ ما نشاءُ بما نشاء.
ونظرتْ الأُم إلى ولدِها وابنتها ورأتْ الدهشةَ والشك فلم تشأْ أن تسألَهما عن شيءٍ واستمرَّتْ تقول:
واتفقنا ونحنُ صغار أن الذي يموتُ مِنّا أوّلاً يجبُ أن يعودَ ليقولَ للآخر ما الذي رآه وراءَ هذا العالَم .. وأيُّهما أفضل: الكُفر أم الإيمان؟ .. وتعاهدنا على ذلك وأقسمنا بالأُخوَّةِ والحُبِّ الشريف الذي بيْننا على ذلك .. وكَبِرتُ وكَبِرَ هو.
ونظرتْ إلى ابنها لتقول:
وتزوَّجتُ أباك السير تريسترام فلم أعُد أرى اللورد تايرون أو أسمع عنه مُطلقاً .. وفي أحد الأيّام ذهبتُ لزيارة عمَّتِك .. وأعطتْنا غُرفتَها وكانت غُرفةً جميلةً مُريحة نمتُ فيها نوْماً عميقاً .. ولكن في الليْل وقُبيْل طلوعِ الشمس أحسستُ أن أحداً في الغُرفة وأنه قريبٌ جداً مني .. وصحوْتُ لأجدَ اللورد تايرون جالساً إلى جواري على السرير فانزعجتُ وخفت .. وهززتُ والدَكَ لعلّه يصحو ولكنه لم يتحركْ فقد أغرقَهُ النوْمُ في هدوءٍ عميق .. وسألتُ اللورد تايرون: ما الذي أتى بك؟ .. فقال: الاتفاقُ السابق؟ .. قلت: لا أفهم؟ .. قال: هل نسيتِ أننا اتفقنا أن الذي يموتُ مِنّا يعودُ ليقولَ ماذا رأى وأنا مِتُّ يوْمَ الأربعاء الماضي الساعةَ الرابعة وجئتُ لأُخبرُكِ بكل ما تريدين؟ .. وسألتُه: وما الذي تريدُ أن تقوله؟ .. فأجاب: إن الإيمان هو الطريقُ السليم .. وإن هناك إلهاً .. وإنه لا إله إلّا الله .. وإن الخيْرَ حق .. والحُبَّ حق .. والعطفَ حق .. والرحمةَ حق .. وإن الدُنيا زائلة .. وإن هناك حياةً أُخرى أروعُ وأجملُ ممّا تتصوَّرين .. وهذا كل ما سمحوا لي أن أقولَهُ لكِ .. ومسموحٌ لي أن أقولَ لكِ شيئاً آخر .. وسألته: ما هو؟ .. فقال: أنتِ حاملٌ في طفلٍ ذكر.
وهُنا اقتربَ منها ابنُها ليجعلَها تستريحُ في فِراشها لأنها قد اضطربتْ قليلاً وحاولتْ النهوض ولكن السيّدة نيكولا قالت:
انتظِر يا وَلدي .. ثم قالَ لي تايرون أن زوْجي - أي والدك - لن يعيشَ إلّا سِت سنوات .. وقد مات أبوك بالفعل بعد ست سنواتٍ من ولادتك!
