خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | عاد ليقول ما الذي رآه بعد الموت (1)

ابن أبي صادق
الصفحة الرئيسية

سيدة انجليزية حامل تجلس على كرسي في غرفتها ومعها خادمتها ويظهر صورة لزوجها ونافذة تطل على الحديقة حيث ترعى الخيول

عاد ليقول ما الذي رآه بعد الموت (1)



هذا الرجلُ الطويلُ العريض اسمه سير تريسترام، وهذا القصرُ الضخم والمزرعةُ الواسعة والخيولُ الكثيرة والخدمُ العديدون، كل هؤلاء قد ورثهم عن أبيه، وهذه الرِقّةُ والعذوبةُ والشاعريّةُ في صوْتِه وفي علاقاتِه بالناس قد ورثها عن أٌمِّه، فأُمُّه كانت تٌغنّي وكانت تنظم الشِعر ، وعندما اقتربَ من القصر سألَ المُشرفةَ على

البيْت: 

  • وأيْنَ سيّدتُك؟ 

قالت: 

  • في الفِراش؟

  • نائمة؟

  • أعتقدُ ذلك ياسيّدي .. أو مريضة.

وبسُرعة اتجه إلى غُرفة زوْجتِه، دقَّ الباب فسمعَ صوْتاً مُرحِّباً فدخلَ وجلسَ على طرف السرير وهوَ يقول: 

  • كيف حالُكِ يا نيكولا اليوْم؟

  • بخير .. لوْلا إننى أريدُ أن أرجوك في شئٍ واحدٍ مدى حياتي.

  • الأمرُ لكِ.

  • أرجوك ألّا تسألَني عن سِرِّ هذا الشريطِ الأسود الذي ألِفُّهُ حوْلَ ذراعي.

  • لن أسألَكِ عن شيءٍ لا تُريدين مني أن أعرفه.

  • شُكراً.

  • لقد أعددتُ الخيولَ لنُزهةٍ أُخرى .. سوف نعودُ إلى الغابة .. لعلَّ الهَواءَ المُنعِشَ أن يشفيكِ.

  • ولكني اليوْمَ حزينة.

  • لماذا؟

  • لسببٍ عجيب .. أشعُرُ أن اللورد تايرون قد ماتَ منذ ثلاثةِ أيّام أي يوْم الأربعاء الساعة الرابعة تماماً!

وضحكَ زوْجُها وهو يقول: 

  • ولكنكِ لا تُؤمنين بهذه الخُرافات .. هل نسيتِ لماذا تزوَّجتُكِ في الأساس؟ .. لأنكِ جميلة ولأنكِ كافرةٌ مُلحِدةٌ مُتحرِّرةُ التفكير .. هل نسيتِ ذلك؟!

  • لقد ماتَ اللورد .. هذا أكيد .. فقد وُلِدنا نحنُ الاثنيْن في عامٍ واحد .. وأنت تعرف هذا الرباط الروحي الذي كانَ بيْننا .. كُنّا أخويْن توْأميْن .. وكانت صلتُنا عميقة .. واليوْم أشعرُ تماماً أنه تُوفي .. هذا أكيد .. ولذلك لا أعتقِدُ أنني سوف أخرُجُ اليوْم للنُزهة.

  • أمرُكِ  .. ولكن أرجوكِ ألّا تُصدِّقي مثل هذه الوساوس .. أو الخُرافات.

  • عندي خبرٌ يُسعِدُك.

  • ما هو؟

  • إنني حامل.

ظهرت السعادة على وجه الزوْج .. ونادى الخَدَمَ وهوَ يقول: 

  • لا خيولَ اليوْم .. السيّدة سوْفَ تَلزَمُ الفِراشَ هذه الشهور القادمة .. إنها تنتظرُ حدثاً سعيداً.

وعادتْ الزوْجةُ تقولُ له: 

  • وسوْفَ يكونُ الموْلودُ وَلداً!

ولم يشأْ الزوْجُ الرقيق أن يُناقشَ الزوْجة واكتفى بهذا الخبر السعيد، فسواء كان الموْلودُ ولداً أو بنتاً سيسعدُ به أو بها بلا شَك، وعادَ إلى الجلوس إلى جوارها في الفراش يُذكِّرُها بأيّام الحُب الأولى ويَعِدُها بمزيدٍ من الراحةِ والسعادةِ والبنين والبنات والأحفاد.

ثم جاءَ خادمٌ يُعلنُ أن رسالةً قد جاءتْ من قصر اللورد تايرون، وكانت الرسالةُ من سكرتير اللورد، وعندما قرأها السير تريسترام ظهرَ الشحوبُ على وجهه فسكرتير اللورد يُعلنُ أن سيّدهُ قد ماتَ يوْم الأربعاء الساعة الرابعة، شيءٌ عجيبٌ حقّاً!

وبعد شهورٍ أنجبتْ زوجة السير ولدَها الأوّل، ثم ماتَ زوجها السير بعد ذلك بست سنوات!، فقرَّرت الأرملةُ الجميلةُ ألّا تتزوِّج رغم أنها لم تتجاوزْ الرابعة والثلاثين من عمرها بعد، واعتزلتْ الحياة ولم تكُن تذهبُ إلى الكنيسةِ أوّل الأمر ولكنها عادت فيما بعد وأخذتْ تتردَّدُ على الكنيسة، ورأي الناسُ جمالَها وهدوءَها ورِقّتَها، كما رأوا شيئاً باهراً على وجهها: هذا الصفاء .. هذا الضياء .. هذا الحُزنَ العميق .. وهذه الرغبةَ الواضحةَ التي تُحاوِلُ أن تقاومَها .. الرغبة في الحياة .. إنها حريصةٌ على الحياة وتريدُ أن تعيش وأن تنسى ما فات .. فكانت لا تُحب أن يُذكِّرَها أحدٌ بشيءٍ من ماضيها.

وفجأة قرَّرَتْ الزواجَ من شخصٍ وسيمٍ أصغر منها في السِّن كانَ ضابطاً، وكانت حياتُها معه قاسيةً أوّل الأمر، وأنجبت له ابنة، ثم اعتدلت هذه الحياة وأصبحت هادئةً ناعمة، وأعلنتْ الزوْجةُ إنها سعيدة وإنها لا يُمكِنُ أن تكونَ أسعدَ ممّا هيَ الآن، وكانت تقولُ للناس: 

  • إذن من الممكن أن يبدأَ الإنسانُ حياتَهُ الزوجيّةَ تعيساً ثم يُصبِحُ سعيداً .. لا بُدَّ أن نوْعاً من سوء الفهم هوَ أوّلُ ما يربُطُ الزوْجيْن وبمرور الوقت يتلاشى كل خلافٍ بيْنهما فيصبحان صديقيْن ثم عاشقيْن .. أنا اليوْم - عن نفسي - عاشقةٌ لزوْجي .. أمّا شعورُهُ هوَ فاسألوه عنه!



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX