خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | أصابع الديك الرومي على كتفيه (3)

ابن أبي صادق
الصفحة الرئيسية

الصحفي وصديقه يكتبان ما يحدث في الغرفة المسكونة ويراقبان آثار أصابع شبح الديك الرومي في مسحوق الطباشير المنثور على الأرضية

أصابع الديك الرومي على كتفيه (3)



واستكملَ الأديب كتابةَ قصّته:

وأقفلنا البابيْن بالمفتاح ثم بالترباس وعُدنا إلى الجلوس نتكلَّمُ في أي شيء ولا أعرفُ بالضبط ما الذي كنا نقوله وأعترفُ بأن شيئاً من الخوْفِ قد اعترانا .. ونظرتُ إلى الساعةِ أمامي وأمسكتُ القلمَ لكي أُسجِّلَ ما سوْفَ يحدُثُ بعد ذلك .. وفي الساعة الواحدة والدقيقة العاشرة رأيْتُ الترباسَ يرتفعُ وينزلُ إلى جوار الحائط .. ثم سمعتُ صوْتَ مُفتاحٍ في الباب يدور ثم يد الباب تتحرَّكُ وينفتحُ البابُ في هدوءٍ شديد قليلاً قليلاً حتى انفتحَ تماماً .. وبعدَ سِت ثوانٍ اتجهتُ إلى الباب الآخر فرأيْتُ حركة الترباس وسمعتُ صوْتَ المفتاح ورأيْتُ يد الباب تتحرَّك والباب ينفتحُ على آخره .. وساد صمتٌ تام وشعرتُ بالفزع أنا وصديقي .. لا شك في ذلك هذه المرّة.

وقرَّرنا أن يقفَ كلٌّ مِنّا وراءَ الباب ويسنِدُه بظهره .. وكانت الساعة الثانية صباحاً .. وفي الساعة الثالثة وأربع دقائق تحرَّكتْ يدُ البابِ بهدوء .. ووجدتُ البابَ يدفعُني إلى الأمام برفقٍ شديد .. ورغم محاولتي أن أصدَّهُ وأن أوقِفَه إلّا أن البابَ انفتحَ كأنني لا شيء .. وبعد ذلك بسِت ثوانٍ أيضاً رأيْتُ صديقي هوَ الآخر يندفعُ إلى الأمام .. أمّا الشيءُ الجديدُ هذه المرّة فكان صوْتٌ غريبٌ يمشي على الأرض بيْن البابيْن .. وَقْعُ أقدام .. ولكنه ليس كأقدام الإنسان .. ولا أعرف بالضبط ما هذا الذي سمعناه.

وجلسنا إلى الترابيزة في صمتٍ دونَ أن نقولَ شيئاً ولكن الخوْفَ قد تملَّكنا لا جدال في ذلك .. غير أن رغبتَنا في أن نعرفَ ما هذا الذي يحدُثُ قد جعلتنا نُفكِّرُ في شيءٍ آخر .. فقد أحضرتُ معي مسحوقَ الطباشير ورُحتُ أنثُرُ هذا الطباشير على أرض الغُرفةِ كلِّها بيْن البابيْن .. وتأكَّدتُ أن الأرضَ تغطَّت تماماً بهذه البودرة .. ثم جلسنا مرّةً أُخرى إلى الترابيزة والساعةُ أمامي والقلمُ والورقة .. وفي الساعة الثالثة تحرَّكتْ يدُ الباب .. وانفتحَ الباب .. وسمعنا الصوْتَ على الأرض .. ونظرنا إلى الأرض فرأيْنا بوضوح آثارَ أقدامِ طائرٍ كبير يُشبِهُ الديكَ الرومي .. وهذه الآثار تحرَّكت في اتجاه الباب الآخر حتى انفتحَ الباب الآخر أيضاً!

وبسُرعةٍ انحنيْتُ على الأرض وفحصتُ آثار أصابع الديك الرومي .. إنها غائرةٌ في الطباشير وواضحةٌ تماماً .. كانَ طولُها بوصتيْن وثلاثة أرباع البوصة وتمشي في اتجاهٍ واحد: من هذا الباب الأيمن إلى ذلك الباب الأيسر.

وعند هذه الساعة المتأخَّرة من الليْل قرَّرنا أن نخرُج فخرجنا وكان الهواءُ مُنعِشاً .. ولكن الغموضَ والظلامَ والقشعريرةَ تسري في جسم كُلٍّ مِنَا فقد رأيْنا وسمعنا .. ثم رأينا وسمعنا .. وتأكَّدنا وليس عندنا أيُّ دليلٍ على كذب أو صحّة ما رأيْنا .. وأنا أكتُبُ هذه القصّة لأنها حدثت بالفعل .. ولأنني في حاجةٍ إلى مَن يبحثُ هذا اللُغز .. أمّا العُنوان فإنني سوف أُعطيهِ فقط للجمعيّات أو الهيْئات الجادّة لأنها قضيّةٌ جادّة ولأنني نشرتُها لا حِرصاً على إثارة الناس .. ولكني أُريدُ أن أفهمَ وأن يُعاوِنَني أحدٌ على الفهم.

وهكذا انتهتْ القِصّة التي هزَّتْ قلوبَ الناس حتى تزاحمَ الكثيرون على الصحيفة يسألونَ عن هذا البيْت أو هذا المكان، وامتلأتْ البيوتُ بالمخاوفِ والعفاريتِ والأشباح ووجدَ الناسُ شيئاً جديداً يُثيرُهم ويُنعِشُهم .. وتبدَّلتْ البَلادةُ العقليّة إلى رجفةٍ نفسيّة انتهزَها رجالُ الدين ليُعلِنوا أن الروحَ حق وأن الأرواحَ فيها الشريرة والطيّبة وأنها في كل مكان .. وأنها بيد الله يُحرِّكُها متى يشاء وأيْنَ يشاء .. وأن العقلَ ما يزالُ يحبو وأنه عاجزٌ عن معرفةِ كل شيء.

وفي اليوْمِ التالي تقدَّمَتْ لصحيفة (ديلي ميل) سيّدةٌ من إحدى الجمعيّات الروحيّة تقولُ إنها منذُ أربعة أيامٍ كانتْ تجلسُ في بيْتِها في حالة "استقبال للأرواح"؛ أي إنها جلستْ إلى مكتبِها ووضعتْ القلمَ فوْق الورق بطريقةٍ مُعيَّنة لعلّها تستقبلُ أيّةَ روحٍ شاردةٍ تَحِلُّ فيها أو في يدها أو في القلم ثم تكتبُ لها أيَّ شيء، ومن الغريبِ أن هذه السيّدة قد نامت على مكتبها، وعندما صحت من النوْم وجدتْ أن القلمَ قد رسمَ طائراً غريباً وأن هذا الطائر أقربُ إلى شكل الديك الرومي، وأنها عرضت هذا الرسم على رئيس الجمعيّة فلم يفهمْ منه شيئاً، ثم أنها وجدتْ عبارةً مكتوبةً ليستْ بالإنجليزيّة وإنما باللاتينيّة، وقد تُرجِمَتْ هذه العبارةُ على هذا النحو: مسحوق الطباشير الذي بعثروه على الأرض قد كشفَ الحقيقة!

ويُمكِنُ أن يُقالَ أن هذه السيّدة قد كذبتْ فلفَّقتْ هذه القِصّة بعدما قرأتْ القصة التي نشرَتْها الصحيفة ولكن الصحيفة أكَّدتْ مرّةً أُخرى أن هذه السيّدة لم تكذب لأن القِصّةَ قد وقعتْ كُلَّها قبل النشر بأربعةِ أيام وأن هذه السيّدة قد سجَّلت ما حدثَ في نفس اللحظةِ التي شاهدها كاتبُ القِصّة!

وبعد سِت سنواتٍ اعترفت صحيفة (ديلي ميل) أن صاحب القصة هو السيّد بلو مانفلد رئيس التحرير، أمّا صديقه فهو السيّد بمبرتون رئيس تحرير مجلة (كاسل)، وشيءٌ آخرُ اعترفَ به رئيسا التحرير: أن كلَّ واحدٍ منهما قد اكتشفَ آثاراً لأصابع الديك الرومي منقوشةً بوضوحِ شديدٍ على كتفيْه!



(تــــــــــمَّـــــــــــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradentX