خبر
أخبار ساخنة

أفلام كمالة | د. أحمد صادق | فيلم "البريء" (1)

ابن أبي صادق
الصفحة الرئيسية

أفيش فيلم "البريء" 1986 أحمد زكي, محمود عبد العزيز, عبد الرحمن الأبنودي, عمار الشريعي, عاطف الطيب


فيلم "البريء" (1)



نبذة:

"البريء" فيلم مصري درامي سياسي من إنتاج 1986 ويُعد أحد أبرز معالم حركة "الواقعيّة الجديدة" في السينما العربيّة، وقد أثار الفيلم جدلاً رقابيّاً وسياسيّاً واسعاً وقت عرضه وتم منع نهايته الأصليّة لعقود قبل أن تُعرَضَ كاملةً لاحقاً.

واللافت أن الفيلم لا يُقدِّم الخيْر والشر في صورةٍ واحدة؛ فالمُجنَّد الريفي البسيط البريء (يُمثِّل الخيْر) يتعرّض لغسيل دماغه ليُستغَل للتنكيل بالمُعارضين السياسيّين بحُجة حماية الوطن وهوَ في الحقيقة يحمي السُلطة الباطشة التي تجثم على صدر هذا الوطن، أمّا ضابط الشرطة الذي يحكم أحد المعتقلات (يُمثِّل الشر) فيبدو في حياته الخاصة رجُلاً لطيفاً مُحبّاً لأسرته بينما يتحوَّلُ داخل المعتقل إلى شخصيّةٍ قاسية تمارس التعذيب والإذلال على المُعارضين للنظام الحاكم، وهو ما يجعل الفيلم يتوقف عند قدرة السلطة على فصل الإنسان عن ضميره عندما يتحول النظام إلى منظومة أوامر، وهُنا يبرُزُ سؤالٌ شديدُ الخطورة: ماذا يحدث عندما يُطلَب من الإنسان أن يُطيعَ قبل أن يَفهم، وأن يُنفِّذَ قبل أن يَسأل؟

طاقم الإبداع الفنّي:

  • الإخراج: عاطف الطيب.

  • التأليف والسيناريو والحوار: وحيد حامد.

  • الموسيقى التصويرية والألحان والغناء: عمّار الشريعي.

  • كلمات الأغاني: عبدالرحمن الأبنودي.

  • المونتاج: نادية شكري.

  • مدير التصوير: سعيد شيمي.

  • الديكور والملابس: رشدي حامد.

  • الصوت: مجدي كامل.

  • الإنتاج: سميرة أحمد - صفوت غطّاس.

الشخصيات الرئيسية والتأطيرية:

  • أحمد سبع الليل (أحمد زكي): هوَ شاب فلّاح فقير ساذج وغير متعلِّم ينتمي إلى بيئةٍ ريفيّةٍ بسيطة، يتم تجنيده في قطاع الأمن المركزي (وهيَ قوّات شِبه عسكريّة تتبع وزارة الداخليّة المصريّة وتختص بحفظ النظام ومُكافحة أعمال الشَغَب) وهوَ يحملُ تصوُّراً نقيّاً عن معنى خدمة الوطن، لكنه يقع ضحيّةً لعمليّةٍ منهجيّةٍ لتلقينه الطاعة العمياء، وهوَ يُمثِّلُ ضحايا الجهل وغسيل الدماغ.

  • العقيد توْفيق شَركس (محمود عبدالعزيز): وهوَ ضابطٌ بالأمن المركزي يعمل قائداً لأحد المعتقلات، وهو من أكثر شخصيّات الفيلم تعقيداً وقَسوة فهو يعيش بوجهيْن متناقضيْن: رجُلٌ لطيفٌ في بيْته، وجلادٌ ساديٌّ داخل المُعتَقَل يُمارِسُ البَطْش والتعذيب على المُعارضين السياسيّين باسم النظام الحاكم الذي أخرجَ أسوأَ ما فيه حين منحه القوّةَ المُطلقةَ على الآخرين.

  • حسين وهدان (ممدوح عبدالعليم): هوَ الشاب الجامعي المُثقَّف الذي يتولّى في البداية توْعية بلديّاته وصديقه سبع الليل وتعليمه معنى الوطن والواجب، ويُمثِّل الفِكْر والتَنوير والنضال السياسي والجانب الواعي من الوطنيّة الحقيقيّة في مُقابل الوطنيّة الزائفة التي تُختزَل في تنفيذ الأوامر.

  • نوارة (إلهام شاهين): هيَ أُخت حسين الفتاة الريفيّة التي يُحبُّها سبع الليل في صمت حيثُ تبرُز مشاعر الغيرة والحماية العميقة لديْه تجاهها وسط صدمته من الطبيعة المُختلِفة للمدينة وقسوتها، وتُمثِّل الحافز العاطفي والرباط الإنساني الوحيد له بعيداً عن بيئة القرية وقسوة المعتقل الصحراوي قبل أن يتم تدميره بعمليّات غسيل المخ والقمع العسكري داخل المعتقل، وتُعَدُّ  - مع سبع الليل - انعكاساً للنقاء الفِطري والبساطة للبيئة الريفيّة، وتُساهِمُ في إظهار طبيعته البسيطة قبل أن تبتلعه آلة السلطة.

  • الكاتب رشاد عويس (صلاح قابيل): هوَ مُفكِّر وأحد المُعتَقَلين السياسيّين بسبب أرائه المُناهضة للنظام، وتُصبح نهايته نُقطة مُهمِّة في التحوُّل النفسي لسبع الليل.

  • د. علي خليفة (جميل راتب): وهوَ من الشخصيّات التي تنتمي إلى عالَم المُعتَقَلين المُثقَّفين، ويُمثِّل صوْت الحقيقة وحضور الفِكْر والثقافة في مواجهة القَمْع والديكتاتوريّة وعُري السُلطة.

  • الضابط فهيم (حسن حسني): هوَ ضابطٌ ذو رُتبةٍ أدنى مرؤوسٌ للعقيد توفيق وأحد رجال المنظومة الأمنيّة في المُعتَقَل، ويكشف حضوره عن آليّة تحويل الانتهاكات إلى مُجرَّد تعليماتٍ وإجراءاتٍ إداريّة.

مُلخَّص الأحداث:

يعيش أحمد سبع الليل حياة ريفيّة فقيرة مع والدته وأخيه المُعاق ذهنيّاً، ويُطلَب منه أداء الخدمة العسكريّة، ووسط خوْفه من تَرْك أُمِّه وأخيه وأرضه وحدهم يتحدَّثُ إليه ابن قريته وصديقه الشاب الجامعي حسين وهدان فيشرح له معنى الوطن والجيْش والواجب ليزداد سبع الليل اقتناعاً بأن ارتداء الزِي العسكري يعني الدفاع عن الوطن، لكن سبع الليل لا يُرسَلُ إلى جبهة قِتالٍ وإنما يتم فرزه للخدمة كحارسٍ في معسكر اعتقال حيث يجري تلقينه أن المُعتَقَلين جميعاً أعداءٌ للوطن، وأن مُهمَّتَهُ تقتضي تنفيذ الأوامر دون نقاش حمايةً للوطن من هؤلاء الأعداء الذين انقلبوا على وطنهم بهدف تخريبه من الداخل، فيقومُ سبع الليل بعمله وينتهز الفُرصة من وقتٍ لآخَر في العزف - من وراء رؤسائه - على مزماره كي يعودَ لبراءته القديمة.

وبمرور الوقت يتحوَّلُ المُجنَّد الشاب البسيط إلى أداةٍ في يد النظام الباطش، حتى إنه يتسبَّب - مدفوعاً بحِسٍّ وطنيٍّ زائف - في موْت الكاتب رشاد عويس أثناء محاولته الهرب، من دون أن يُدرِكَ حقيقة الرجل الذي قتله ودوافعه الحقيقيّة في إنقاذ الوطن من السُلطة الجاثمة على صدر الشعب، ويقوم العقيد توْفيق شركس بترقية سبع الليل مُكافأةً له على قتله لأحد أعداء الوطن.

ثم تأتي اللحظةُ المفصليّة عندما يُعتقَل حسين وهدان نفسُه مع مجموعةٍ من زُملائه طُلّاب الجامعة الذين تظاهروا للتعبير عن رفضهم لممارسات السُلطة الجائرة، ويصلون إلى المعتقل - الذي يخدم فيه سبع الليل - فيقوم كل أفراد المنظومة الأمنيّة من ضُبّاطٍ وجنود بضربهم، وأثناء ذلك يتلاقى الصديقان أحمد سبع الليل وحسين وهدان فيبدأ عقل سبع الليل البسيط في الاصطدام بالواقع؛ فهو يعرف يقيناً أن حسين رجُلٌ وطنيٌّ مُخلِص يُحب الوطن وليس خائناً له ممّا يُفكِّك الرواية الرسميّة التي صُبّت في عقله صبّاً، حينئذٍ يبدأ البناء الفكري الذي أقامه النظام في الانهيار في مُخ سبع الليل المغسول ويبدأ في سؤال نفسه: كيف يكونُ صديقه الجامعي المتنوِّر الذي علّمه حُب الوطن عدوّاً للوطن؟!، فيُدافع سبع الليل عن صديقه ويرفُض إطاعة الأوامر بضربه فيقوم العقيد شركس بسجنهما معاً، ويكشف حسين لسبع الليل أن المُعتقَلين ليسوا أعداءً وإنما أصحابَ آراءٍ وأفكارٍ مُختلفة، فيُدرِكُ سبع الليل للمرّة الأولى أنه لم يكن يحرُس الوطن بل كان يُستخدَم لقَمْع أبناء وطنه المخلصين.

وتبلُغ المأساةُ ذُروتَها بمقتل حسين بين يديْ سبع الليل بعد إطلاق الثعابين السامّة في الزنزانة، عندها يتحوَّلُ إدراك سبع الليل إلى غضبٍ وإحساسٍ بالقًهْر وينهارُ تماماً إيمانُه بالأوامر التي كان يطيعُها.

أما النهاية الأصلية للفيلم فكانت أكثر حدة؛ إذ تضمنت قيام سبع الليل - بعد إلغاء ترقيته وإعادته للعمل بالمعتَقَل ووقوفه حارساً فوْق بُرجٍ للمُراقبة - بإطلاق رصاص رشّاشه على كل الضُبّاط والعساكر العاملين بالمُعسكَر والذين كانوا يحتشدون في طابورٍ جديد لاستقبال دُفعةٍ جديدةٍ من المُعتَقَلين فأرداهم قتلى جميعاً، ولكن أحد المُجنَّدين الأبرياء من زُملائه المًغيَّبين فِكريّاً أيضاً كان قد أفلتَ من ذلك الرصاص فصوّبَ بُندُقيّته تجاه سبع الليل فأوْقعه قتيلاً وهو فوْقَ البُرج في حين سقط منه رشّاشه على الأرض وحاولَ أن يُمسِكُ بمزماره لكنه وقع من يده أيضاً ليسقُطَ فوْقَ سلاحه وينتهي كل شيء، وقد حُذِفَتْ هذه النهاية وظلّت النُسخة الأصليّة ممنوعةً من العرض لمُدّة عشرين عاماً.

الأفكار والقضايا التي يُناقشها الفيلم:

  1. الطاعة العمياء:

الفيلم يضعُ سُؤالاً أساسيّاً أمام المُشاهد: هل تنفيذ الأمر يعفي الإنسان من مسؤوليته الأخلاقيّة؟

  1. استغلال الجهل والفقر:

سبع الليل ليس شرّيراً بطبيعته؛ إنه إنسانٌ بسيط جرى استغلال محدوديّة تعليمه وثقته المُفرِطة في السُلطة لتحويله إلى أداةٍ للقمع.

  1. معنى الوطنيّة:

يُقدِّم الفيلم مواجهةً بيْن مفهوميْن للوطنيّة: وطنيّة تقومُ على الوعي والحُريّة والكرامة (يُمثِّلُها المُعارضون)، وأُخرى تقومُ على الطاعة المُطلقة وتنفيذ الأوامر (يُمثِّلُها الأفراد العاملون بالمعتَقَل).

  1. التضليل الأيدولوجي وغسيل الأدمغة: 

كيْفيّة صناعة أعداءٍ وهميّين وإقناع مُنفِّذي الأوامر بأن القَمْعَ فِعلٌ وطنيٌّ نابعٌ من الشرف.

  1. إزدواجيّة السُلطة حين تنفصل عن الضمير:

شخصيّة توفيق شركس تُقدِّمُ نموذجاً مُخيفاً للإنسان الذي يستطيعُ أن يكونَ أباً عطوفاً في المنزل وجلّادًا ساديّاً في مكان العمل.

  1. المعتقل السياسي وقمع الرأي:

الفيلم يرفُض مساواة الاختلاف السياسي بالخيانة، ويصوِّرُ المعتقَل باعتباره مكاناً يمكن أن يتحوَّلَ فيه القانون والنظام إلى أدواتٍ لإسكات أصحاب الفِكْر.

  1. مسؤوليّة الفرد:

لا يكتفي الفيلم بإدانة أصحاب السُلطة؛ بل يطرح أيضاً مسؤوليّة الإنسان الذي يُنفِّذُ الأوامرَ دونَ أن يسألَ عن نتائجِها.

  1. تحول الضحيّة إلى أداةٍ للجلّاد:

وهذه ربما أكثرُ أفكار الفيلم مأساويّة؛ فالنظام لا يحتاجُ دائماً إلى جلّادين بالفِطرة؛ بل يستطيعُ أن يُصنِّعَهم من أشخاصٍ بُسطاءٍ إذا نجحَ في السيْطرة على وعيهم.

  1. العلاقة بين الحُريّة والعدالة:

وهيَ الفكرة المركزيّة التي تتجاوز زمن الفيلم، إذ أن المؤلِّف وحيد حامد قدَّم العملَ بوصفه دفاعاً عن الحُريّة والعدالة.

  1. الصراع بين الفكر والقوّة:

مواجهة الكلمة والرأي بالهراوةِ والسلاح.

القيمة الفنيّة للفيلم:

  • أداء تمثيلي استثنائي: قدَّمَ أحمد زكي أحد أعظم أدواره عبر التعبير بجسده وعينيه عن التحوُّل التدريجي من السذاجة إلى الصدمة ثم الغضب، كما جسَّدَ محمود عبد العزيز أبعادَ الشخصيّةِ المُستَبِدّةِ ببراعةٍ تعكس التعقيد النفسي لها.


  • اللغة البصريّة والتصوير: كادر سعيد شيمي واستغلال الإضاءة الطبيعيّة في الصحراء والمساحات الضيّقة داخل المُعتقل أضافت عُمقاً لإحساس العُزلة والقهر.

  • الموسيقى والأغاني: أضفى عمّار الشريعي مع أغاني العزف الشعبي ومجموعة الأصوات بُعداً شُجونيّاً وإنسانيّاً يمسُّ عُمق القضيّة.

  • إخراج عاطف الطيب: يميلُ إلى الواقعيّة والاقتصاد في التجميل البصري، بحيث يُصبح المكان العسكري والمُعتَقَل جُزءاً من الحالة النفسيّة للفيلم، لا مُجرَّد خلفيةٍ للأحداث.

  • تزداد القيمة التاريخيّة للعمل بسبب صدامه مع الرقابة؛ فقد ظلَّتْ النهايةُ الأصليّة محذوفةً لفترةٍ طويلة، وكان عرضُها الكامل عام 2005 حدثًا مُهمّاً في تاريخ الفيلم، كما يحتل "البريء" المركز 28 في استفتاء أفضل 100 فيلم في ذاكرة السينما المصرية الذي أُجري بمناسبة مرور مائة عامٍ منذُ إنشائها.

الخُلاصة:

يُعدُّ "البريء" وثيقةً سينمائيّةً وفِكريّةً شديدةَ الأهميّة في تاريخ السينما المصريّة والعربيّة، فهوَ ليس فيلماً يكتفي بكَشْف آليات التعذيب والقمع ولا يحكي فقط عن معتقلٍ أو جُنديٍّ أو ضابطٍ فحسب؛ وإنما هو فيلمٌ عن الإنسان عندما تُسلَبُ منه القُدرة على التفكير كما يغوصُ في تشريح صناعة الضحيّة والمُستبِد، ممّا جعله عملاً خالداً متجاوزاً لزمن إنتاجه.

فـأحمد سبع الليل يبدأُ حياته وهو يعتقدُ أن الوطن هو ما يأمره به المسؤول، ثم يكتشف متأخِّرًا أن الوطن هو الناسُ الذين يعيشون فيه وأن الدفاع عنه لا يمكن أن يعني قتل الأبرياء أو إهانتهم.

كما تظل قوّة الفيلم كامنةً في المُفارقة التي يحملُها عُنوانُه نفسُه: مَن هو البريء حقًا؟، هل هو الجُندي الذي نفَّذَ الأوامر لأنه لم يعرف الحقيقة؟ أم المعتقل الذي اتُّهِمَ بأنه عدوٌ للوطن لمجرد اختلافه في الرأي؟ أم أن البراءة الحقيقية لا تكتمل إلا عندما يمتلكُ الإنسانُ شجاعةَ السُؤال والرفض؟

ومن هُنا يمكن اعتبار "البريء" واحداً من أهم الأفلام السياسيّة والاجتماعيّة في تاريخ السينما المصريّة التي تعكِس قيَم الحُريّة والضمير والعدالة ومسؤوليّة الإنسان عن أفعاله.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX