خبر
أخبار ساخنة

أفلام كمالة | د. أحمد صادق | كمالة فيلم "البريء" (2)

ابن أبي صادق
الصفحة الرئيسية

أفيش الجزء الثاني من فيلم "البريء" وفيه ضابط سجون يحقق مع معارضة ثورية وفي الخلفية تظاهرات ثورة يناير والشهداء

كمالة فيلم "البريء" (2) | "الضبع"



بعد خمسةٍ وعشرين عاماً لم يكن "سيّد الضبع" يتذكَّر اليوْم الذي قَتَلَ فيه "أحمد سبع الليل" باعتباره يوماً عاديّاً بل كان يتذكَّره كل ليْلةٍ عندما يزوره كابوسه المُعتاد الذي يجعله يفزع من نوْمه مذعوراً فيظلُّ ساهراً ساهداً حتى الصباح، ففي ذلك اليوْم البعيد كان الضبع مُجرَّد مُجَنَّدٍ صغيرٍ يقفُ بيْن زملائه وقادته داخل فناء المُعتَقَل ينتظرون - حسب الأوامر - وصول سيّارة الترحيلات التي تنقل إليهم الوارد الجديد من أعداء الوطن ليُقيموا لهم حفل الاستقبال الذي يكيلون لهم فيه مراسم التنكيل والتعذيب والضرب في مُحاولةٍ منهم لتهذيبهم وتقويمهم جرّاء ما اقترفوه بحق الوطن، ولكنهم فوجئوا بـ"سبع الليل" وهو يصرخ - في مكان حراسته أعلى بُرج المُراقبة - في هيستيريا ثم يفتح نيران رشّاشه على الجميع فيقتلهم كلَّهم ماعداه هوَ - "الضبع" - بعد أن أسرعَ فاتخذَ جداراً ساتراً يقيه الرصاص، وبعد بُرهةٍ توقّف صوْت إطلاق الرصاص وتناهى إلى سَمْع "الضبع" أنغامٌ حزينةٌ صادرةٌ من مزمار "سبع الليل" فالتفَّ حوْل الجدار وصوّب عليه بندقيّته فأرداه قتيلاً بعد أن سقط من يديْه رشّاشه ثم مزماره على الأرض، واقتربَ "الضبع" من بُرج المُراقبة فاغراً فاه وهوَ يُحملِقُ في بلاهةٍ وبلادة في جُثّة "سبع الليل" حتى تأكَّدَ من سكون حركته ومصرعه، لم ينسَ "الضبع" ذلك الإحساس الغريب الذي انتابه بعد أن قتلَ زميله الذي كان بينهما "عيش وملح" ولطالما تسامرا وتداعبا معاً أثناء الحِراسة، وكما تنقَّلت عيْناه بين جُثّة صاحبه وبيْن سلاحه ومزماره تنقَّلت أحاسيسه بين الشعور بالذنب لخيانته ذلك الصاحب وبيْن حِسّه الوطني الزائف بإطاعة ما يُمليه عليه ضميره الأمني الذي جعله يقتُل مَن قتلَ زملاءه وقادته، واستمرَّ ذلك الصراعُ النَفسي وجَلْدُ الذاتِ المكتوم يمورُ بداخله طيلة هذه السنوات المديدة رغم أن الضُبّاط الذين وصلوا مع عربة ترحيل المُعتَقلين كانوا قد عاينوا ما حدث وأثنوا على شجاعته وحُسْن تصرُّفه بل وكتب كبيرُهم تقريراً طالبَ فيه بمُكافأة "الضبع" وترقيته من رُتبة نفر مُجنّد إلى عرّيف، وحتى بعد انتهاء فترة تجنيده الإلزامي قبلتْ الإدارة تطوُّعَ "الضبع" في قوّات الأمن المركزي وواصلَ الترقّي من صف ضابط حتى انتهى به الحال بعد خمسةٍ وعشرين عاماً إلى ضابطٍ برُتبة مُلازم أوَّل مُتطوَّع بعد سجلٍ حافل ملأَ ملفّ خدمته من جميع رؤسائه الذين ذكروا أنه ممتازٌ في تنفيذ الأوامر العسكريّة بصرامةٍ دون مناقشةٍ أو حتى سؤال وأنه رجُلٌ سهلُ الانقياد يتفانى في خِدمة السُلطة والوطن، وها هوَ ذا - وهوَ في منصف الأربعينيّات - قد أصبحَ مُتمرِّساً في إدارة مُعتقَل "القناطر الخيْريّة" للنساء رغمَ أنه عاشَ وحيداً دونَ زواج في حالة جفافٍ عاطفيٍّ لم يشغَلْهُ سوى العمل وتنفيذ الأوامر في النهار بأكمله، أمّا الليْل بطوله فقد كان يقضيه مُنتظراً كابوسه المُخيف الذي يبدأُ بصرخة "سبع الليل" وينتهي بمنظره وهوَ ينزفُ من رأسه التي اخترقتها رصاصة صاحبه، يا لها من حياةٍ كئيبة لا يُبرِّرُ جدواها سوى المزيد من الانغماس في العمل والمزيد من الانتقام من أولئك الأعداء الذين يُخرِّبون الوطن ويُنغِّصون على القائمين عليه حياتَهم! .. وذلك من وِجهة نظر "الضبع" ورفاقه بالطبع. 

وفي أواخر يناير 2011 كانت مصر تغلي، خرجَ الشبابُ إلى الشوارع وارتفعت أصواتُهم تُطالِبُ بالحُريّة والعدالة، وصدرت أوامرٌ باعتقال المتظاهرين وكان من بينهم عددٌ من النساء تم ترحيلهن إلى مُعتَقَل النساء، بين المعتقلات كانت هناك شابّةٌ في الثلاثين تقريباً، هادئة الملامح، تحمل حقيبةً صغيرةً بها بعض الكتب الجامعيّة، كانت هيَ "سحر توفيق شركس" ابنة العقيد الذي قتله "سبع الليل" في المعتقل أثناء ثوْرته الهيستيريّة قبل رُبع قَرن.

كانت "سحر" قد أصبحت مُعيدةً في كليّة الحقوق، تُدرِّس لطُلّابها وتكتبُ عن العدالة الاجتماعيّة وحقوق الفقراء، لم تكن تعرف أن الزمان سيمُرُّ سريعاً حتى تقف أمامَ الرجل الذي قتل يوْماً قاتِلَ أبيها، حدثَ ذلك عندما دخلَ "الضبع" إلى زنزانتها الخرسانيّة الباردة حيث كانت تجلِسُ وسط النساء المعتقلات اللاتي تعرضن للإهانة والضرب والتهديد بل وخضعت بعضهن لإجراءاتٍ مُهينة وانتهاكاتٍ جسيمة، ظلَّتْ وتظلُّ وستظلًُّ آلةُ القَمْع والبَطْش دائرةً طالما لا يتغيّر وعيُ أُناسٍ أمثال "الضبع" الذي صاح:

  • مين فيكم "سحر توفيق شركس"؟

رفعتْ "سحر" رأسَها وأجابت:

  • أنا.

اقتربَ منها ونظر إلى الاسم الموجود في الملف ثم صوّب عيْنيْه نحوها وسألها بصرامة لا تخلو من الاندهاش:

  • أبوكي توفيق شركس كان ظابط؟!

  • أيوه .. واتقتل مع زمايله في المعتَقل اللي كان ماسكه.

تغيّرَ وجه الضبع للحظة وشعرَ فجأة بأن الزنزانة قد غارت به وأصبحت أضيق وأنه هوَ المسجونُ فيها وقال: 

  • أبوكي مات شهيد الواجب .. كان بطل الله يرحمه.

  • الله أعلم! .. مش متأكِّدة! .. بَس اللي اعرفُه كويّس إنه للأسف ياما ظلم ناس كتير علشان خاطر تنفيذ أوامر شويّة حُكّام ظَلَمة ما يعرفوش ربّنا.

نظرَ إليها طويلاً، كانت هذه أوّلُ مرّةٍ يسمعُ فيها ابنة أحد رجال السُلطة تتحدَّثُ بهذه الطريقة، وجدها تنظُر إليه بعيْنيْن ثابتتيْن يملأُهما الغضبُ والإصرار ممّا أزعجه كثيراً ولكنه حاولَ أن يُخفي توتُّره وأن يتمالكَ نفسه فصرخَ في وجهها بحِدّةٍ وشِدّة:

  • انضمّيتوا لمين: للإخوان المُسلمين ولّا الكَفَرة الشيوعيّين ولّا انتم أجِندات تبع بتوع حقوق الإنسان؟

  • (في هدوء) للشعب.

  • (يستشيطُ غضباً فيضرب على الحائط بيده) أنا بسألك عن أسماء مُحدَّدة عايزة تخرّب في البلد.

  • (في رباطة جأشٍ مستمر) وأنا باقول لك إنك بتدوَّر على أعداء مش موجودين هنا أصلاً .. إنتَ مش قادر تشوف إن اللي قدامك دول مصريّين ثاروا علشان خاطر مصريّين تانيين فيه منهم ناس عايشة في عِشَش وفيه ناس مش لاقية لُقمة عِدلة ولا ميّه نضيفة وفيه ناس مش لاقية علاج وفيه شباب مُتعلِّم مش لاقي شُغل وبيضطَّر يتغرّب برّه ويمكن يموت وهوَّ بيحاول يهاجر .. إحنا عايزين نحسّن أحوال كل الناس الغلابة دي وننقذهم من الحُكّام الطُغاة اللي بيعيشوا وبيغتنوا هُمَّ وعيالهم على حساب الفُقرا والجهلة اللي زيّك .. إنتَ واللي زيّك بتحاربوا ف صَف ناس بيمصّوا دمّكم ومع ذلك بتقتلوا وتعذِّبوا الناس اللي بتقول للظُلم لأ وبتضحّي علشانكم وبتحاول تطلَّعكم من الحُفرة اللي مش عايزين تطلعوا منها .. إنتم بتخدموا الناس اللي قاعدة ع الكراسي بتبيع وتشتري فيكم .. والدور ح ييجي عليكم ف يوم من الأيّام. 

  • (يتراجع مُحاوِلاً الدفاع عن نفسه)  البلد دي ما تمشيش غير بالعين الحمرا والأمر والنهي .. إحنا حُماة الوطن .. وانا خدّام البلد.

  • (بثباتٍ وشجاعة) أنت خدّام لأوامر الظَلَمة .. مُجرَّد تِرس في مَكَنة الظُلم والقَهر .. منك لله .. حسبيَ الله ونِعمَ الوكيل فيك .. ربّنا مش ح يسيبك ع اللي عملته وبتعمله وح تعمله ف الناس اللي بتدعي عليك ف كل صلاة (تجهش بالبُكاء).

تجمَّد "الضبع" للحظات ثم انسحب من وجه "سحر" بعد أن واجهتْه بحقيقته وأجابتْه على أسئلةٍ كثيرةٍ كانت تثورُ في عقله المحدود وأفقه الضيّق، أسرعَ بالجلوس وحده في غُرفته، فتحَ آخر دُرجٍ بمكتبه وأخرجَ صورةً قديمةً كان يحتفظ بها منذ سنواتٍ طويلة، كانت صورةً باهتةً بالأبيض والأسود لدُفعة تجنيده، كان هوَ بينهم بجوار "أحمد سبع الليل"، نظر إليه وقال وهوَ تخنقه العَبرات والدموع:

  • أنا قتلتك يا صاحبي واخويا.

ولأوّل مرّةٍ منذ خمسة وعشرين عاماً نطقَ الجُملةَ بصوْتٍ مُرتفع، واستطردَ في لوْعةٍ وأسى:

  • كل ده بسبب أوامر البهوات اللي غسلوا مُخِّنا وحشوا دماغنا بالكِدب وفهِّمونا إنهم همَّ الوطن .. إحنا كُنّا غلطانين يا صاحبي .. إحنا البلد .. إحنا الشعب .. إحنا الوطن.

كان شيءٌ ما قد انكسرَ داخله، ومرَّ أمامه شريط حياته وهوَ يُعذّب الأبرياء ويُنكِّل بهم بناءً على الأوامر والتعليمات فاستصغرَ نفسه واحتقرها وهان أمامه كل شيء بعد أن حوصر بالذنوب والآثام ودعوات المظلومين، أعاد الصورةَ مكانَها وفتح الدُرج الأوسط وأخرجَ مُسدّسه وقامَ من كُرسيه ووقفَ أمام المرآة فلم يرَ نفسَه بل رأى مسخاً قبيحاً وفي الخلفيّة يقف "سبع الليل" يبتسم له مُشجِّعاً إيّاه على المُضي قُدُماً فيما ينتوي، رفعَ المُسدَّسَ وألصقَهُ بجانبِ رأسِهِ وضغطَ على الزناد فانتهى كل شيءٍ في ثانية، لم يكُن انتحارُه بطولةً أو تكفيراً كافياً عن جرائمه بل كان هروباً مأساويّاً من مواجهة المسؤولية أمامَ ضميره في الدُنيا، ويبقى الحساب الختامي في الآخرة. 

مرّتْ عشرُ سنواتٍ وأصبحتْ "سحر" في 2021 أستاذةً جامعيّة، وتزوَّجَ بعضُ رفاقها وسافرَ بعضهم وماتَ آخرون وسُجِنَ كثيرون لكنها لم تزَل كما هيَ، ودارت عجلة الحياة وظن الجميع أن الماضي انتهى إلى أن بدأت حملةٌ جديدةٌ من الاعتقالات لمَن وُصِفوا بأنهم مُشاغِبون أو مُعارِضون أو مُهدِّدون للأمن القومي والسِلم العام أو مروِّجون للشائعات، وفي إحدى الليالي جاء رجال الأمن إلى منزل "سحر" واعتقلوها بعد صدور الأوامر من جهةٍ سياديّةٍ عُليا، ابتسمت ابتسامةً حزينة وهي تدخُل المعتقل مرّةً أُخرى، ربما تغيّرت وجوه السجّانين والمسجونات لكن المعتقل لم يتغير كثيراً: الزنزانةُ هيَ نفسُها - الصمت هوَ نفسه - الأبوابُ نفسُها - رائحةُ الجدرانِ هيَ نفسُها - الحُزنُ يُعشِّشُ في الأركان - الصَمتُ يرينُ على المكان لا يقطعه إلّا بعض الصرخات المكلومة كل حين، وتوقفتْ "سحر" للحظات وتذكَّرتْ أباها و"الضبع" وزملاءَها الذين دخلوا معها في يناير 2011 وخرجوا معها بعد شهور، وقالت لنفسِها:

  • الناس بتتغيَّر .. لكن الخوف والظُلم ما بيتغيَّروش .. القَمْع مش شخص .. ده نظام كامل بيتجدِّد كل ما غاب الوعي الجمعي بتاع الناس.



(لم تتم بعد .. وتتوالى الأحداث)

google-playkhamsatmostaqltradentX