بشرطٍ واحد: ألّا تخاف (1)
كلّما كانَ الإنسانُ ضعيفاً جسميّاً أو نفسيّاً كانت هذه الكائنات أو الظواهر أكثر التصاقاً به، فإذا حاولَ أن يُقاومَها بنفسِه أو بغيْرِه فإنها عادةً تختفي!، أرجو الاحتفاظ بهذا المعنى في البال لأنه هوَ المقصودُ من وراء مثل هذه الحوادث الغريبة التي تقع ووقعتْ في
أماكنَ مختلفةٍ من العالم وفي عصورٍ كثيرة.
كانَ اللواء برسفورد أحد رجال الجيْش الإنجليزى في الهند قد عاشَ هُناكَ طويلاً هوَ وأسرته، وقامت هناك حروبٌ كثيرة في محاولات تمرُّد الهنود على الاحتلال الإنجليزي، ومات فيها رجالٌ كثيرون لا يُعرَفُ كم عددهم، وفي الهند أشياءٌ عجيبةٌ وغريبة وتفسيرُها صعب في ذلك الوقت والآن أيضاً.
وانتهتْ خدمة اللواء وعادَ إلى بريطانيا وأقامَ في بيْتٍ قديم في ضواحي لندن، والبيت من سِت غُرَفٍ وبه عددٌ كبيرٌ من الخَدَم وكل شيءٍ فيه هادئٌ ناعم: الطعامُ يجيء في موْعده والضيوفُ معروفون وهناك مواعيدٌ مُحدَّدةٌ للزيارة وكل شيءٍ مُنظَّم والأُسرة يُمكِن أن يُقالَ إنها سعيدة، ربما حادثٌ واحدٌ فقط هوَ الذي هزَّ الأُسرة كما تهتز البُحيْرةُ الهادئةُ لسقوطِ طوبةٍ صغيرة، وبعد ذلك كل شيءٍ يعودُ إلى صفائه ونقائه.
وفي إحدى المرّات قفزَ أحد القرود إلى شجرة جوز هند وظلَّ يتسلَّقُها حتى وصلَ إلى قِمَّتِها، وبعد ذلك راحَ يُلقي جوز الهِند على أفراد أُسرة اللواء وكانوا معجبين ببراعته في التصويب، وبالصدفة الغريبة جداً التقتْ جوزةُ هندٍ مع جوزةِ هندٍ أُخرى ألقاها القرد على شجرةٍ قريبة فسقطت إحدى الجوزتيْن على رأس خادمٍ هِنديٍّ صغير فماتَ بعدها بقليل، وقد حزنَ الجميعُ على ذلك فقد كانَ رقيقاً مُهذّباً محبوباً من الجميع، وأُحرِقَتْ جُثَّتُه في احتفالٍ عائلي وظلَّتْ أُسرة اللواء تذكُرُ هذا الحادث الأليم على أنه النُقطة السوْداء في حياتها التي استغرقت عشرين عاماً في الهند حتى ١٨٩٧.
بعد ذلك لم يحدُثْ شيءٌ سوى أن هذه الأُسرة تروي النوادرَ والحوادثَ في الليْل عن الأشياء الغريبة التي رأوها في الهند، وكانَ حديثُهم يحلو في ليالي الشتاء أمام المدفأة، وكانوا يقولون إنها بلادٌ عجيبة وإن هناك جوّاً روحانيّاً من طرازٍ غريب لا يعرفه الأوربيّون وأن في الناس نوْعاً من البساطة والتسامُح والزُهد لا يعرفُه الأوربيّون!
وبعدَ الكلام عن البساطة والتسامُح يجيء الكلام عن العادات والظواهر الغريبة، وعندما يصلُ الحديثُ إلى هذه الأشياء يكونُ الليْلُ قد انتصف وتكونُ الرغبةُ في الاستماع إلى مثل هذه الأشياء قد خَبَتْ مثل النار في المدفأة وبعدها ينامون.
وفي إحدى الليالي كان اللواءُ وزوْجتُه يمشيان في حديقة البيْت عندما قبضتْ الزوْجةُ على ذراع زوْجِها بعُنف وهيَ تقول:
مَا الذي أتى بها هُنا؟!
ويسألُها الزوْج:
مَن هيَ؟
هذه "الآية"؟
وأين هيَ؟
أمامك.
لا أرى.
إنها تقترب.
أين؟ .. لا أراها.
إنها تنظُرُ إلىَّ .. إنها تقترب مني .. تقتربُ أكثر!
ماذا جرى لكِ؟
بل ماذا جرى لكَ أنت؟! .. (تصرخ ) آي .. آي!
ويعودُ بها اللواءُ إلى البيْت، أمّا "الآية" فهي كلمةٌ هنديّةٌ تعني: "المُمَرِّضة".
وبعدَ أن تعودُ الزوْجةُ إلى وعيها يستوْضِحُها الزوْجُ فتقولُ له إنها رأتْ مُمَرِّضةً هنديّةً كانت قد دخلت بيْتهم مرّةً واحدة ولكنها رأتها بوضوح ترتدي ثوْباً أبيض وتنظُرُ لها وحدها وتقتربُ منها ثم تُمسِكُ بذراعها وتضغطُ عليه بشِدّة، ولكن الزوْج لا يُصدِّقُ ما تقوله زوْجته ويرى إنها مُتعَبة وإنها سهرت بالأمس كثيراً دونَ أن تنالَ حظَّها من الراحة، ولأنها سيّدةٌ مُجامِلةٌ جداً فقد سايرت الضيوفَ أكثرَ ممّا تطيق وهذه عادةٌ سيّئة لا بُد إنها اكتسبتها من الشرق!
ولكن الزوْجةَ ظلَّتْ على يقينٍ تام ممّا رأتْ وحاولت أن تُفسِّرَ للزوْج ما رأت ثم عَدَلَتْ عن رأيها بأن قالت:
فعلاً .. أنا متعبة .. ولا بُدَّ أن يكونَ من مظاهرِ التعب الشديد أن يرتدَّ الإنسانُ إلى الماضي ويختارُ أسوأَ ما فيه ويُجسِّمُه أمامَه ثم يخافُ منه.
ولم تعرفْ الزوْجةُ إنها بهذه العبارة قد اهتدتْ إلى قاعدةٍ من قواعدَ علمِ النفس.
