أشهر سُلوكيّات الفيل
تتميَّزُ الفيلةُ بأحد أكثر الأنظمة الاجتماعيّة والعاطفيّة تعقيداً في عالم الحيوان، حيث تُظهِرُ سلوكيّاتٍ تُعبَّرُ عن الذكاء الشديد والوعي بالذات وبالروابط الأُسريّة العميقة، وإليكم أبرز ملامح هذه السلوكيّات:
طُقوس الموت والحُزن (الأكثر تميُّزاً):
زيارةُ العِظام:
الفيلة هي الحيوانات الوحيدة (بجانب البشر) التي تعودُ لزيارة عِظام موْتاها، فعندما تُصادفُ جُمجُمةً أو عظامَ فيلٍ ميّتٍ تتوقَّفُ وتقومُ بلَمْسِها وتفَحُّصِها بخرطومها وباطن أقدامها بهدوءٍ شديد.
طقوس الدفن:
إذا ماتَ فردٌ من القطيع تُحاوِلُ الفيَلةُ أحياناً تغطية جُثّته بأوْراق الشجر وسعف النخيل والأغصان والتُراب فيما يُشبِهُ عمليّة الدفن.
الوقوف والحداد:
يظهر الحُزنُ واضحاً على القطيع عند فُقدان أحد أفراده؛ حيْثُ تقف الفيَلةُ بجانب الجُثّة لعدَّةِ أيّامٍ في صمتٍ تام، وتُصدِرُ أحياناً أصواتَ أنينٍ مُنخَفِضة.
البِنيةُ الاجتماعيّة والقيادة:
المُجتَمع الأُمومي:
يقودُ قَطيع الفيَلةِ دائماً الأُنثى الأكبرُ سِنّاً والأكثرُ خِبرةً (الأُم الحاكمة)، وهيَ التي تُقرِّرُ متى يتحرَّكُ القطيع وأيْنَ يذهبُ للبحث عن الماء والطعام وكيْفَ يُواجِهُ الأخطارَ بناءً على ذاكرتها الطويلة.
مجموعات الإناث:
يتكوَّنُ القَطيع الأساسي من الأُمّهات والأخوات والصغار، وتربُطهم علاقاتٌ تعاونيّةٌ قويّةٌ جدّاً في تربية وحماية الصِغار.
انفصال الذُكور:
عندما تصل الذكور إلى سِنِّ البُلوغ (بين 12 إلى 15 عاماً) يَتِمُّ طردها أو تنفصلُ تِلقائيّاً عن القطيع، تعيشُ الذُكور إمّا مُنفرِدةً أو في مجموعاتٍ صغيرةٍ فِضفاضة تُسمَّى "مجموعات العُزّاب".
الذكاء الخارق والذاكِرة:
ذاكرة الفيل:
ليْسَتْ مُجرَّدَ مَثَلٍ شعبي أجوَف؛ فالأُمّهات القائدات يتذكَّرنَ بدِقّة أماكنَ آبار المياه ومسارات الهِجرة التي مَررنَ بها قبل عقود، وهوَ أمرٌ حيويٌّ لنجاة القَطيع في مواسم الجَفاف.
الوعي بالذات:
الفيَلةُ هيَ من الحيوانات القليلة جداً التي تنجح في "اختبار المرآة" ممّا يعني أنها تُدرِكُ أن الانعكاس في المرآةِ يعودُ لها وليست لفيلٍ آخر.
التواصُل المُعقَّد:
الأصوات تحت الصوْتيّة:
تتواصَلُ الفيَلةُ عبرَ أصواتٍ ذاتِ تردُّداتٍ مُنخفِضةٍ جداً (Infrasound) لا يستطيعُ البشرُ سماعَها، وهذه الأصوات تنتقلُ عبرَ الأرضِ لمسافاتٍ تصلُ إلى عدّة كيلومترات، وتستقبلُها الفيَلةُ الأُخرى عبرَ باطنِ أقدامِها الحسّاسة.
لُغةُ الجسدِ واللَمْس:
الروابط بيْنَ الأفيال تتقوّى باستمرارٍ عبرَ اللمسِ بالخُرطوم، وتَشابُكِ الخراطيم ببعضها البعض (الذي يُشبِهُ المُصافحةَ أو العِناق)، وتوْجيه الآذانِ أو رَفرَفَتِِها للتعبيرِ عن الحماس أو التحذيرِ من خطر.
كيفية حماية الفيلة لبعضها عند الهجوم:
تمتلكُ الفيَلةُ استراتيجياتٍ عسكريّةً فِطريّةً لحماية أفرادها، خاصّةً الصِغار والضِعاف، وتعتمدُ في دِفاعِها على القوّةِ الجماعيّةِ والتنظيم المُحكَم مثل:
حلقة الدفاع (جِدار الحماية):
عندما يشعُرُ القطيعُ بخطر اقتراب الحيوانات المُفترِسة (مثل الأسود أو الضِباع) تتشكَّلُ الإناثُ البالغاتُ فوْراً في دائرةٍ مُغلقةٍ تتّجِهُ وجوهُها نحوَ الخارج لمُواجهة الخطر بالخراطيم والأنياب والأقدام بينما يتم وَضْعُ الفيلةِ الصغيرةِ والرُضَّع في مركز الدائرة لحمايتهم تماماً من أي هجوم.
تضحية الخَط الأمامي:
تقودُ الأُنثى الكبيرة (قائدةُ القطيع) هجوماً مُضادّاً شَرِساً إذا استدعى الأمر، فتندفعُ الإناثُ الضخمةُ نحوَ مصدر التهديد لإخافته ودَهْسه مُستغلاتٍ وزنهن الهائل وصيحاتهن المدوّية.
الإنقاذ الجماعي:
إذا عَلَقَ فيلٌ صغيرٌ في وَحلٍ أو حُفرةٍ أو تعرَّضَ للهجوم؛ لا يترُكُه القطيعُ أبداً، فتتجمَّعُ الإناثُ ويستخدمن خراطيمَهن وأقدامَهن لرفعه وسحبه إلى الأمان، ويُظهِرنَ استبسالاً كبيراً حتى يطمئنن على سلامته.
حالة هيجان الذكور (مَست Musth):
هي ظاهرةٌ بيولوجيّةٌ دوْريّةٌ تُصيبُ ذكورَ الفيَلةِ البالِغة، وتتميَّزُ بارتفاعٍ حادٍّ وجُنونيٍّ في مُستويات هُرمون التِستوستيرون (قد يصلُ إلى 60 ضِعفاً عن المُعدَّلِ الطبيعي)، ممّا يُحوِّلُ الفيلَ الهادئَ إلى كائنٍ في غاية الشَراسة، وتحدُثُ فيها تلك الأحداث المعروفة:
العلامات الجسديّة الملحوظة:
مثل:
إفراز سائل زيْتي داكن: يُفرز الفيلُ سائلاً شديدَ الرائحةِ (تمبلين) من غُدَدٍ صَدغيّةٍ تقعُ خلفَ العيْنيْن مباشَرةً، ويسيلُ هذا السائل على جانبيْ وجهه.
تقطيرُ البوْلِ المُستَمِر: يقومُ الفيلُ بإنزال البوْل قطراتٍ قطرات باستمرار كإشارةٍ كيميائيّةٍ قويّةٍ لنَشْر رائحتِه وتحذير المُنافسين له.
السُلوك العُدواني المُفرط:
يُصبِحُ الفيلُ شديدَ العصبيّةِ ويُهاجِمُ أيَّ شيءٍ يتحرَّكُ أمامه، بما في ذلك الفيَلة الأخرى والحيوانات البريّة والبشر وحتى الأشجار والسيّارات وتتميَّزُ تلك المرحلةُ بالآتي:
الهدف البيولوجي: رغم خطورة هذه الحالة إلّا أنها ضروريّةٌ للتكاثُر، وتُثبت حالة "المست" هيْمنةَ الذكر حيْثُ تخشاهُ الذُكورُ الأُخرى وتتجنَّبُ مواجهتَه، بينما تنجذبُ إليه الإناثُ الجاهزةُ للتزاوُجِ لأنها تدلُّ على قوّته الجينيّة.
تأثيرُ القَطيع في كبح الهَيَجان: أثبتتْ الدراساتُ أن وجودَ ذكورٍ بالغةٍ أكبرِ سِنّاً وأكثرِ ضخامةً في نفس المنطقة يُساعِدُ في تقصيرِ مُدَّةِ "المست" لدى الذكور الشابّة وكبحِ جماحِ عُدوانيتِها، ممّا يُبرِزُ أهميّةَ النظام الاجتماعي المُعقَّد للفيَلة.
غريزة الانعزال (الأكثر غرابةً):
تُشيرُ المُشاهداتُ وحالاتُ الرّصْدِ في الحياة البريّة إلى أن الفيلَ - عندما يشتدُّ عليه المرض أو يتقدَّمُ في السِن ويشعرُ بدُنُوِّ أجلِه - ينسلُّ بهدوءٍ من بيْن القطيع وينزوي في مكانٍ بعيدٍ أو منطقَةٍ مُنعزلةٍ في الغابة ليموتَ هُناك وَحده بصمت، وهو سلوكٌ يربطُه البعضُ بغريزة عدم نشر عدوى المرض (إذا كان مريضاً) أو عدم إعاقة حركة القطيع (إذا كان سيموت)، وهو ما يمكن وصفه بعبارة "الموْتُ خفيفاً على أفراد قطيعه أفضلُ من العيْش ثقيلاً عليهم" .. فهل نتعلَّمُ منهم تلك السلوكيّات؟!!