المشهد الأول
في صباح اليوْم التالي يدخلُ إلى الغُرفة الرئيسيّة لمنزل حاكم المدينة كلٌّ من آموس فيدوروفيتش وأرتيمي فيليبوفيتش وإيفان كوزميتش ولوقا لوفيتش ودوبتشينسكي وبوبتشينسكي، الكُل يدخلون بحذر على أطراف أصابعهم وهم يرتدون الحُلل الرسميّة والزي الاحتفالي، ويتحدَّثون بصوْتٍ أقربُ إلى الهمس:
فيدوروفيتش: (يصفُّ الجميع في نصف حلقةٍ) استحلفكم بالله ياسادة: عجِّلوا في تشكيل الحلقة وتحلّوا بالنظام أكثر .. يا إلهي! .. إن ذلك المُفتِّش ذو مركزٍ هام .. فهو يذهبُ إلى القيْصر ويُعنِّفُ مجلس الدولة ويرأسُ كبارَ المسؤولين .. قِفوا وقفةً عسكريّة .. وقفةً عسكريّةً من كل بُد! .. أنت يا بوتشينسكي تعالَ من هذه الجهة .. وأنتَ يا دوتشينسكي قِفْ هُناك (يتحرّك الاثنان كما أمرهما.
فيليبوفيتش: الرأيُ لك يا فيدوروفيتش .. علينا أن نقومَ بشيْءٍ ما.
فيدوروفيتش: وماذا بالتحديد؟
فيليبوفيتش: معروفٌ ماذا.
فيدوروفيتش: تقصدُ نعطيه رشوة؟
فيليبوفيتش: نعم .. فلتكُن الرشوة.
فيدوروفيتش: ولكن هذا أمرٌ خطير! .. فقد ينفجرُ فينا صائحاً! .. إنه رجُلُ دوْلة .. ولكن ما رأيُك أن تكونَ الرشوة ليستْ صريحةً ومباشِرة؟ .. أن تكونَ على شكل تبرُّعاتٍ من جانب النبلاء لإقامة نُصْبٍ ما مثلاً.
كوزميتش: أو كأن نقولُ مثلاً: "لقد حملَ إلينا البريدُ مبلغاً لا نعرفُ صاحبه".
فيليبوفيتش: حاذر أن لا يُرسلك هوَ بالبريد إلى مكانٍ ما بعيد (يقصدُ السِجن) .. اسمعوا: إن مثلَ هذه الأمور لا تُعالَجُ بهذه الطريقة في دولةٍ لها نظام .. لماذا نحن هنا أصلاً كمجموعة؟ .. يجب أن يتمَّ تعامُل كل واحدٍ مِنا وحده وهوَ مع المفتِّش على انفراد دونَ أن تسمع الآذانُ أو ترى العيونُ ما يفعله كل واحدٍ معه .. هكذا يتصرَّفُ العُقلاء في المجتمع المنظَّم .. فلتكُن أنتَ البادىء أوّلاً يا فيدوروفيتش.
فيدوروفيتش: كلا أنت أفضل .. ففي مؤسَّستِك تناولَ الضيْفُ الوجيهُ الفطور.
فيليبوفيتش: لا .. أنا لا .. فليكن لوقا لوفيتش هوَ البادئ .. فهوَ الأفضلُ فينا بصفته قائماً على تنوير الشباب.
لوقا لوفيتش: لا أستطيع .. لا أستطيعُ أيُّها السادة .. اعترفُ أنني رُبّيتُ على أنه إذا تحدَّثَ معي إنسانٌ أعلى مني رُتبةً فإنني أكادُ أن أفقدَ روحي .. أمّا لساني فينحبسُ في فمي .. كلّا أيُّها السادة .. اعفوني .. اعفوني حقّاً.
فيليبوفيتش: إذن ليس هُناك مَن هوَ أفضلُ منك يا فيدوروفيتش .. فكل كلمةٍ لديْكَ كأنها خارجةٌ من فمٍ الخطيب الروماني المُفوّه شيشيرون!
فيدوروفيتش: ماذا تقول؟! .. شيشيرون مرّةً واحدة؟! .. عجباً .. يا لخيالكم الخصب! .. صحيحٌ أنني في بعض الأحيان أندمجُ حقاً في بلاغة الكلام لو كان الحديث يدور حول جراء البيوت أو كلاب الصيد ولكنني في العموم لستُ فصيحاً بالمرّة.
وأخذَ الجميعُ يُلِحّون عليه في الرجاء لكي لا يتحدَّثَ عن الكلاب أبداً ولكي يُقنعونه بأن يكونَ هو البادئ بمُقابلة المفتِّش وإعطائه تلك الرشوة المُقنَّعة، ووسط رفض فيدوروفيتش محاولاتهم فإقناعه إذ هم يسمعون وَقْعَ خُطىً وسُعالٍ في غُرفة خليستاكوف فيُهرعُ الجميعُ باتجاه باب الغُرفة الرئيسيّة حيثُ يتدافعون ويتزاحمون ويُحاولون الخروج بسُرعة فيدفعُ بعضهم بعضاً ويدهسون أقدام بعضهم البعض فتتردَّدُ صيْحات غضبٍ وتوجُّعٍ هامسةٍ منهم حتى ينجحون في الخروج جميعاً وتصبح الغُرفة الرئيسيّة خالية.
