لوحة بريشة فنان وقلم أديب (2)
وفي الصباح لم تظهرْ سيّدةُ القِطار، فلمّا جاءت الخادمة إلى غرفتي ترفعُ ستائرَ النافذة سألتُها:
مَن تلك السيدة؟
فقالت:
أيّةُ سيّدةٍ يا سيدي؟!
قلت:
تلك التي جلست معنا على العَشاء.
قالت:
لم يكُنْ هُناك أحد.
قُلت:
التي كانت ترتدي فُستاناً أسود.
قالت:
لم أرَ أحداً يا سيّدي.
وعُدتُ أسألُ السيّد كيرك فأكَّدَ لي هوَ وزوْجتُه أن أحداً لم يكُن معهما في البيْت ولم يجلس ولم يتناول العشاء معنا أحد، ولا بُدَّ أنهما ظنّا أنني أسرفتُ في الشراب، أو لأنني رجلٌ فنّان فرأسي مشحونٌ بالخيالات أو أنني مجنون!
ولمّا عُدتُ إلى بيْتي في لندن أحسستُ كأن شيئاً ما قد تغيَّرَ في هذا البيْت، ماهو؟ .. لا أعرف، أنظرُ إلى السرير فأجده في مكانه، أنظر إلى اللوْحات فأجدُها كلها قد استقرَّتْ على السرير، أنظرُ إلى زُجاجات الخَمْر فأجدُها في مكانها تحت المخدة، أنظر إلى أحذيتي أجدها في نفس المكان الذي اخترته لها فوْقَ اللوْحات على الأرض، كل شيءٍ كما تركتُه، إذن ما هذا الشيء الغريب الذي حدث؟ .. لا أعرف ولكنه نوْعٌ من الضيق في صدري، كأن هُناكَ ألفَ إنسانٍ يتنفَّسُ في هذا المكان الصغير، فلمّا جئتُ لم أجدْ لي مُتنفّساً، وربما كان هذا وَهماً، ولكن إحساسي الذي أعتمدُ عليه يقولُ لي ذلك.
ونفضتُ التُرابَ والورقَ والألوانَ من فوق مكتبي الصغير وجلستُ وأمسكتُ ورقةً وقلماً، وأسندتُ رأسي بيدي ولكنني أحسستُ بشيءٍ ورائي، ونظرتُ فإذا هيَ سيّدةُ القِطار، وإذا هيَ تعتذرُ عن مجيئها دونَ إذنٍ مِنّي، ولكني أخفيْتُ دهشتي في سعادتي ويبدو أنها جاءت لتقولَ شيئاً مُحدَّداً، قالت لي:
ألم أقُل لكَ أنك سوف تراني!
وقبلَ أن أقولَ شيئاً سألتني:
هل رسمتني؟
فقلت:
لم أتمكَّنْ من ذلك.
قالت:
هل تستطيعُ الآن؟
قلت:
إذا أعطيْتِني فُرصة.
قالت:
إن هذه الصورة هامّةٌ جداً .. وعليها يتوقَّفُ كل شيء.
قُلت:
لم أفهم!
قالت:
كان والدي في حاجةٍ إلى هذه الصورة .. أرجوك ساعِدْني!
قُلت:
أتمنّى ذلك.
وراحت تدورُ في البيْت وتتخطّى الأشياءَ المُلقاةَ هُنا وهُناك، ولم يتَّسِعْ وَقتي لكي أعتذرَ لها عن هذه الفوْضى، وجاءت ابتسامتُها رقيقةً تؤكِّدُ أنها تعرفُ ذلك، وأنها على درايةٍ بالفنّانين والفوْضى التي يعيشون فيها، وأمسكتُ ورقةً وقلماً ورُحتُ أرسمُها من بعيد، ولمّا طلبتُ إليها أن تقفَ ولوْ لحظةً لم تشَأ أن ترُد وإنما راحت تُديرُ وَجهها وظهرها فكنتُ أُسجِّلُ ما أراه وبسُرعة!
وبعد لحظاتِ اقتربت مني ووضعتْ يدها على ذراعي ثم على رأسي ثم لمستْ بيدِها خَدّي فلم أتحرَّكْ من مكاني كأنني طفلٌ وكأنها إحدى الأُمهات، وودَّعتْني وخرجتْ، وكانَ كل شيءٍ فيها يدُلُّ على أنها عاشقةٌ وَلهانة وعلى أنها تُعاني أزمةً نفسيّةً عنيفة، ولكن شيئاً جباراً كان يمنعُها عن السقوط، هذا الشيء اسمه الكرامة أو الاعتزاز بالنفس أو الثقة التامّة بشخصٍ آخر، والذي أدهشني أنني لم أُحاولْ أن ألمسَ يدَها أو أقترب منها أو حتى أن أقفَ.
ولمّا خرجتْ ناديْتُ خادمي وعاتبتُه كيف يسمحُ لهذه السيّدةِ بأن تدخُلَ دونَ أن يُنبِّهَني إلى ذلك، ولكن الخادم اعتذر بأنه تركَ البابَ مفتوحاً ونزلَ إلى البقّال لبضعِ دقائق، فحذَّرتُه أن يترُكَ البابَ مفتوحاً بعد ذلك وصرختُ فيه:
ألم تسمعْ بقِصّةِ الذِئبِ الذي انفردَ بسيّدةٍ وأكلها؟
ولم أتمالك نفسي من الضحك عندما نظرَ الخادمُ إلى وجهي وقال:
حاضر.
ولم أفهم سِرَّ نظرتِه إلى وجهي وذهبتُ إلى المرآة فوجدتُ أنني صبغتُ شفتي باللوْن الأحمر دون أن أدري فضحكتُ بصوْتٍ مُنخَفِض!
