خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | لوحة بريشة فنان وقلم أديب (3)


الفنان الرسام يرقد على فراشه في المرسم الخاص به وتجلس أمامه سيدة القطار ويلوح بالأعلى شبح كلاهما

لوحة بريشة فنان وقلم أديب (3)



ومضتْ شهورٌ ورأيْتُ من المُناسبِ أن أذهبَ إلى الشَمال لعلّي أجدُ شيْئاً من الراحة، فقد حيّرتني سيّدةُ القِطار ولم أجِدْ تفسيراً لها، وتوقَّف القطار عند إحدى المُدُن الصغيرة، وأفهمنا السائق أن هُناكَ عملاً في القِطار وفي الطريق وأنه لا بُدَّ من البقاء أربع ساعاتٍ على الأقل. 

وتذكَّرتُ أن لي صديقاً قديماً في هذه المدينة وأن اسمه السيّد لوت، وسألت ناظر المحطّة إن كانَ يعرفُ السيّد لوت الذي يسكُنُ إلى جوار الكنيسة، فقال ناظر المحطة أنه يعرف ذلك، وبعثَ ناظر المحطّة في طلب السيد لوت، وبعد نصف ساعة جاء رجلٌ في الخمسين من عُمْرِه وقال: 

  • أنتَ تسألُ عن السيّد لوت؟

فقلت: 

  • نعم.

فقال: 

  • إن السيّد لوت لم يعُد يُقيمُ هُنا .. ولكنك بعثتَ في طلبي أنا.

فاعتذرتُ وقُلت: 

  • ما اسم حضرتك؟ 

قال: 

  • أنا السيّد لوقا؟

واندهشتُ كيف أنني كتبت اسم صديقي هذا خطأ، وأراني الورقةَ فوجدتُ أنني كتبتُ السيد لوقا وليس السيد لوت فتضاعفتْ دَهشتي، ولكن الرجلَ قال:

  • بل أنتَ الشخص الذي أُريده .. أنتَ بالضبط .. وأرجوكَ أن تقبلَ المَبيتَ عندنا .. فأنا أُقيمُ في بيْتٍ وَحدي مع ابنةٍ صغيرةٍ لي .. وأُريدُكَ أن ترسمَ لوحةً لابنتي .. هذه اللوْحةُ هيَ أعزُّ ما سوْف أملكُه في هذه الدُنيا.

وذهبتُ مع السيّد لوقا إلى بيْته، وهُناك قابلتنا ابنته واسمُها مريم، كانتْ في الخامسة عشرة من عمرِها وهيَ من ذلك النوْعِ من الفتيات التي اعتمدتْ على نفسِها في سِنٍّ مُبكِّرة، ففيها شجاعةٌ وسوء ظنٍّ بالناس، ولذلك ترفعُ الكُلفةَ بسُرعةٍ إيماناً منها بأنه لا داعيَ للخوْفِ من أحد.

وسبقتني مريم إلى غُرفةٍ نظيفةٍ وقالت: 

  • هذه غُرفتُك .. أمّا أبي فإنه لن يقوى على السهر معك هذه الليْلة لأنه مريض.

  • آسف لإزعاجه .. ولكنه هو الذي دعاني لكي أرسمَ لكِ صورة.

  • صورةٌ لي أنا؟ .. بل صورةٌ لأُختي.

  • لا مانع .. أنا على استعداد.

  • ولكن أُختي ماتت من ستّة شهور .. وأبي مريضٌ لذلك .. وكانت وفاتُها أكبرَ صدمةٍ له .. ويتمنّى لو يجد لها صورة أو يصوِّرُها أحد .. ولو كانت عنده صورةٌ واحدةٌ لأُختي لتحسَّنتْ صحّته فهو مريضٌ كما ترى.

  • وهل تُشبهينَ أُختَكِ؟

  • أبداً.

  • إذن حاولي أن تصِفي أُختَكِ لي وأنا سأحاولُ رَسْمَها.

وراحتْ تصِفُ أختها وأنا أرسم، ولكني أعرفُ في نفس الوقت أن هذه المحاولة فاشلة فقد جرَّبتُ ذلك كثيراً وكانت النتيجة مُخيّبةً لكل أمل، وكلّما رسمت لوْحةً عرضتُها على مريم فتقول: 

  • لا .. تُشبِهُها!

ثم عادت مريم تقول: 

  • آه .. إن أختي كارولين - رحمها الله - تُشبِهُ صورةً لسيدةٍ معروفة .. هذه الصورة كانت في كتاب .. ولكن بعد وفاتها أختفت هذه الصورة .. لا أعرفُ مَن الذي أخذَها أو سرقَها.

  • اذكُري لي اسم ناشر الكتاب وأنا سأحاولُ العثورَ عليه.

فحاولتْ مريم أن تتذكَّر ثم قالت: 

  • إن أُختي تُشبهُ السيّدة مادلين زوْجةَ أحدِ اللوردات.

وبسُرعة صعدتُ الدَرَجَ ودخلتُ غُرفتي وفتحتُ حقيبتي وأخرجتُ بعض اللوْحات التي كنت قد رسمتها لسيدة القِطار، ولم تكَد مريم ترى هذه اللوْحات حتى صرخت: 

  • هذه هيَ أُختي .. إن سعادةَ أبي لن يكونَ لها حَد .. ولكن مَن أين نقلتَ هذه اللوْحات؟! .. كيف عرفتَ ذلك؟!

وذهبَتْ إلى والدها العاجز عن السيْر، وبعد لحظاتٍ جاءَ أبوها وكأن ساحراً قد حمله على جَناحيْه، وكانت السعادةُ تفيضُ من وَجهه، ثم اتجهتُ إلى الكتاب وفتحتُه ورأيتُ مكانَ اللوْحةِ التي نُزِعَتْ واختفت!

ولا أعرفُ كيْفَ سارت الأحداثُ بعد ذلك، ولكن في اليوْمِ التالي ذهبنا معاً إلى الكَنيسة، وفي طريق العوْدة قال لي السيد لوقا: 

  • أنتَ أسعدتَني وأنا كنت على يقينٍ من ذلك .. فأنا أعرفُك .. كلّهم اتَّهموني بالجُنون لأنني أرى أشياءً لا يراها الناس .. أنا رأيْتُكَ مع ابنتي هذه .. رأيْتُكَ في القِطارِ جالساً أمامَها .. رأيْتُها وهي تسحبُ البالطو إلى الوراء وأنتَ تنظرُ إليها .. رأيْتُكَ تتحدَّثُ إليها أمام المدفأة .. رأيتُها وهيَ تعرضُ عليك لوحةً لزوْجةِ اللورد .. رأيتُكَ وأنت ترسمُها .. ولمّا جئتَ إلى بلدتنا هذه ووجدتُ اسمي على الورقة عرفتُ إنك أنت .. وأنك وَحدك الذي سوف تُحقِّقُ لي أعظمَ سعادة.

ومضى السيّد لوقا يقول وقد استردَّ صحّته وحيويّته: 

  • الآن فقط أستطيعُ أن أعيشَ مع ابنتي سعيداً بها كما كنتُ سعيداً وهيَ ما تزالُ حيّة .. وستكونُ هيَ أيضاً سعيدةً كسعادتي بعدَ أن ذهبت بعيداً إلى السماء .. إلى حيْثُ لا أعرف .. فقد كانَ حُزني عليها هوَ الشيء الوحيد الذى يربطها بالأرض .. لقد تمنيْتُ أن أفرحَ بلقاءِ ابنتي وأنتَ حقَّقتَ لي ذلك.

وفي الصباح عندما دقَّتْ مريم على بابي وأشارت أن أتبعَها بهدوء أدركتُ أن والدَها مريض، ودخلت غُرفته فوجدتُه في فراشه هادئاً وعلى وجهه ضحكةٌ ينقُصُها الكلام، وسألتُ مريم إن كانَ أبوها قد مات فهزَّتْ رأسَها بالإيجاب، لقد ماتَ ولم أرَ حُزناً على وجه مريم، إنها - تماماً كما وصفها أبوها - واقعيّةٌ جداً ولن تحزنَ لفُراقِ أحد، ولن يحزنَ أحدٌ لفُراقِها.

وعلى الحائط وجدتُ لوْحة الابنة كارولين مكتوباً تحتها: كارولين لوقا (٢٢ سنة) ١٣ سبتمبر سنة ١٨١٨ !!!



(تــــــــــمَّـــــــــــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradentX