لوحة بريشة فنان وقلم أديب (1)
هذه القصة كُتِبَتْ إحدى عشرة مرّةً في عشرين عاماً، ولكن لم تُصبح عملاً أدبيّاً باقياً إلّا عندما رواها الأديب العظيم تشارلز ديكنز (١٨٧٠ - ١٨١٢)، وقد سمعَ حوادثَها من جميع الذين شاركوا فيها، وبعد ذلك نشرها في مجلّةٍ اسمها "على مدار السنة" ولكي أكونَ قريباً من شكلها ومضمونها الأدبي انقلُها كما كتبها الأديب الإنجليزي الكبير:
أنا فنّانٌ أسكُنُ في غُرفتيْن، إحدى الغُرفتيْن هيَ التي أعملُ فيها أو أتوهَّمُ أنني أفعلُ ذلك لأن الغُرفتيْن مُتداخِلتان فلا أعرفُ أيْنَ أعمل ولا أيْنَ أنام، وهذا يُسبِّبُ لي مشاكلَ خاصّةً عند النوْم أو عندما يزورُني أحدٌ من الناس.
وفي إحدى ليالي الشتاء زارني بعض الأصدقاء وراحوا يتفرَّجون على لوْحاتي وكُنتُ مُضطرّاً أن أرتديَ ملابسي كاملة، وجاءت الموديل التي أرسمُها، وهيَ فتاةٌ جميلةٌ في العشرين، كل شيءٍ فيها جميل إلّا حنجرتَها فهيَ تُصدِرُ أصواتاً غيْرَ مُناسِبة، وعندما جاءت في ذلك اليوْم طلبتُ إليها أن تجيء غداً، وقبل أن تخلع ملابسَها أشارتْ إلى أنها في حاجةٍ إلى المال، فأعطيْتُها وخرجت، وسألني ضيْفي:
كيْفَ لا تُقبِّلُ وَجهاً جميلاً مثلَ هذا؟!
فقُلتُ له:
إن مَن يراها كل يوْمٍ ليْسَ في حاجةٍ إلى أن يفعلَ شيْئاً من ذلك!
واعترِفُ أنني كُنتُ غيْرَ مُهذَّبٍ عندما قُلتُ ذلك، ولكن مَن هوَ الفنّان الذي لا يتلوَّثُ لسانُه وجسمُه وملابسُه، لا أحدَ طبعاً.
وخرجَ الضيْف، وفوجئتُ برجُلٍ وزوْجتِه قدَّمَ لي نفسه:
أنا السيّد كيرك وهذه زوْجتي.
وقبلَ أن أُعرِبَ لهما عن دَهشتي قالَ السيّد كيرك:
سمعتُ عنك .. وعرفتُ من الفتاة التي قابلتُها في الشارع عُنوانَك وأنا في حاجةٍ إليك.
وعرفتُ منهما أن عدداً من أفراد أُسرتِهما في حاجةٍ إلى أن أرسمَه، وعرضتُ عليهما نماذجَ من اللوْحاتِ والأساليبَ المُختلِفةِ ليختارا أحبَّ الأساليبَ لهما، وتركَ لي السيّد كيرك بطاقتَه، وبعد أن اختفى بدقائقَ اكتشفتُ أن البطاقةَ ليس عليها سوى اسمه أمّا العُنوان فقد نسيَ أن يكتبَه، ولكن ليس من الصعبِ عليه أن يُدرِكَ ذلك فيما بعد
وأن يبعثَ لي بعنوانه.
وسافرتُ إلى شمال بريطانيا لأستريحَ بعضَ الوقت، واخترتُ مدينةً صغيرةً هيَ نفسَ المدينةِ التي يعيشُ فيها السيّد كيرك وزوْجته، وركبتُ القِطارَ ووجدتُ مقعداً خالياً، واقتربتُ من النافذة، وجاءتْ سيّدةٌ بملابسَ سوْداء وحاولتُ أن أُجلِسَها في المكانِ الخالي ولكنها فضَّلتْ المكانَ المُواجهَ لي، وقالت إنها في حاجةٍ إلى أن يهبَّ الهواءُ على وجهِها، ثم سحبتْ البالطو إلى الوراء ووضعتْه على كتفيْها وسحبتْ فُستانَها على رُكبتيْها، وليْتَها لم تفعلْ، ويبدو أن تجاوباً غريباً بيْني وبيْن يديْها قد حدث، فانسحبتْ يدُها عن الفستان وتراجعتْ إلى الوَراء، فانسحبَ الفُستان وارتفعَ نهداها، ويبدو أنها شعرتْ بذلك كله، ثم أسقطتْ البالطو وواجهتْني وعلى وجهها هدوءٌ عميق وفي عيْنيْها مودة، وتحدَّثنا كأننا أصدقاءٌ
قُدماء، وكانت تُحدِّثُني في موْضوعاتٍ فنيّةٍ كأنها تعرفُني أو كأنني أعرفُها.
وبسرعةٍ غريبة توقَّفَ القِطارُ عند المدينة التي أُريدُها، ومدَّتْ يَدَها تُسلِّم، وقلتُ لها:
أرجو أن أراكِ.
فقالت:
سوْفَ تراني.
وسألتُ عن أسرة كيرك وعرفتُ البيْت، وجاءَ السيّدُ كيرك وزوْجتُه ورحَّبا بي، ثم جاءت الخادمة وأشارت إلى غُرفتي، ووضعتُ حقائبي وبدَّلتُ ملابسي، وذهبتُ إلى صالون البيْت وهُناك وجدتُ سيّدةَ القِطار ذاتَ الفُستانِ الأسود، وكانت مُفاجأة، ولكن يبدو إنها لم تُفاجَأ بوجودي، ثم قالت:
ألم أقُل لكَ سوْفَ تراني!
وقلتُ لها:
لوْ كُنتُ أعرفُ أننا ذاهبان إلى نفس البيْت لرافقتُكِ.
فقالت ضاحكةً:
إن طريقي صعب.
ولم أفهم، ثم وجدتُها تقفُ أمام المِدفأة، وجاءتْ الخادمةُ وأعلنتْ أن السيّدَ كيرك سوْفَ يصلُ حالاً، وتقدَّمتْ سيدةُ القطار وقدَّمتْ لي كِتاباً، وفتحتُ الكتابَ على صفحةٍ بها لوْحةٌ مرسومةٌ بالألوان، فسألتني:
هل هذه السيّدةُ تُشبِهُني؟
فقلت:
فِعلاً تُشبِهُكِ .. ولكن مَن هيَ؟
قالت:
إنها زوْجةُ أحد اللوردات.
ثم جاءتْ حرم السيّد كيرك ودعتني إلى غُرفة الطعام، وأشرتُ إليها أن تتقدَّمَ هيَ والسيّدة، ويبدو أنها لم تفهم، فتقدَّمتُ قبلهما إلى غُرفة الطعام، وجلسنا نحنُ الأربعة: هيَ وزوْجها في ناحية وأنا وسيّة القطار في الناحية الأُخرى.
وانتهى العشاء، وخرجتْ السيّدتان وبقيتُ مع السيّد كيرك، ثم تكاثَرَ حوْلَنا الأقاربُ رجالاً ونساءً وأطفالاً، ثم جاءتني سيّدة القطار تسألُني:
هل تتذكَّرُ وَجهي هذا.
فأجبت:
لا أحدَ ينساه.
قالت:
كُنتُ أتوقَّعُ منك ذلك .. ولكن هل تستطيعُ أن ترسمه من الذاكرة؟
فقلت:
لو أعطيتِني فُرصةً الآن لأراكِ أوْضح لفعلت .. لو جلستِ أمامي بعض الوقت.
فاعتذرت وقالت:
فيما بعد.
