المشهد الثاني عشر
وبعد فترةٍ ليست بالطويلة تدخل ماريا الغرفة وهي ترتدي فُستاناً بديعاً فتجد خليستاكوف وحيداً فتُبادر إلى الحديث معه:
تحيّاتي يا سيّد خليستاكوف .. كنتُ أبحثُ عن أُمّي .. أليستْ هُنا؟
(يُحملِقُ بالسقف ويبدو مشغولاً بالتفكير) آآآ .. لا .. ليستْ هُنا.
يبدو أنني ضايقتُك .. فمنظرُك يوحي بأنك كُنتَ تقومُ بأعمالٍ هامّة.
(ينظُرُ لها فيبتسمُ عندما يراها متأنِّقةً فيقفُ ويتبخترُ ماشياً تجاهها) ولكن عيْنيْكِ أفضلُ من كل الأعمال الهامّة .. لا يُمكن أن تُضايقينني .. بالعكس فوجودُكِ يُحيطُني بالسعادة.
إنك تتحدِّث كالنُبلاءِ الذين يعيشون في العاصمة.
لا بُدَّ أن أكونَ رقيقاً من أجل فتاةٍ في مثل روْعتك .. هل تسمحين لي .. (يقومُ بتقديم كرسيٍّ لها) .. فلتتفضّلي وتُسعديني بالجلوس على هذا الكرسي رغم أنه لا يُناسبكِ بل العرش هو الأجدرُ بكِ.
لا أعرفُ حقّاً .. (تجلس) فقد كُنتُ أنوي الانصراف ولكنني لن أنصرف من أجلِك أنت.
يا للمنديل الرائع الذي تُحيطين به عُنُقَكِ الجميل!
(بدلال) يبدو إنك تهزأُ بنا نحن الريفيّين!
كم أتمنى يا سيدتي لو كنتُ أنا مكان منديلك هذا لأُعانقَ جيدَكِ الرائع.
(تتصنّعُ الخجل) لا أفهمُ أبداً ماذا تقول! أيُّ منديل .. (تحاول الهرب بتغيير الموضوع) يا له من طقسٍ بديعٍ اليوْم.
وشفتاكِ يا سيّدتي أبدعُ من أي طقس.
(على استحياء) أنتَ لا تكُفُّ عن هذا الحديث .. الأفضلُ أن أطلبَ منك لوْ تكتب لي بعض الأشعار للذِكرى .. لا بُدَّ أنك تعرف منها الكثير.
من أجلِكِ يا سيّدتي أفعلُ كل ما تُريدين .. اطلُبي أي الأشعارِ تُريدين؟
أيّة أشعار .. ولكن الجيّدةَ والجديدةَ منها.
ليستْ الأشعارُ بالمطلبِ الصعب: إنني أعرفُ الكثير.
إذن قُلْ لي: أيُّ الأشعارِ ستكتبُ لي؟!
إن لديَّ منها الكثير والكثير .. إليكِ هذا البيْت من قصيدة "في النبي أيّوب" للشاعر العظيم ميخائيل لومونوسوف: "أيُّها الإنسان ما بالُكَ تتذمَّرُ من الله إذا أصابتكَ مُصيبة…" .. وغير ذلك مما لا أستطيعُ تذكُّره الآن.. (وهو يُقرِّبُ كُرسيه من كُرسيها) فقد أنسَتْني عيْناكي النجلاوتيْن.
الحب! .. لستُ أفهمُ الحب .. (تُبعِدُ كرسيها عنه) لم يسبق لي أن عرفت أيَّ حُب.
(وهوَ يُقرِّب الكُرسي) لماذا تُبعدين كُرسيكِ؟ .. فالأفضلُ لو نجلس قريبين من بعضنا البعض.
(وهيَ تبتعد) ولماذا القُرب؟ .. لا بأسَ لوْ كُنّا بعيدين قليلاً.
(وهوَ يقترب) ولماذا نكونُ بعيديْن؟ .. لا بأسَ لوْ كُنّا قريبين هكذا.
(تبتعد) ولكن أيَّ داعٍ لذلك؟!
(وهوَ يقترب جداً) كم سأكونُ سعيداً يا سيّدتي لو استطعتُ ضَمَّكِ في أحضاني.
(تهب واقفةً وتُهرَعُ إلى النافذة في مُحاولةٍ يائسة للهروب وتحويل الموْضوع) ما هذا الذي يبدو وكأنه قد طارَ هُناك؟ أهو طائر العَقْعَق أم لعلّه طائرٌ آخر.
(يقومُ وراءها ويقفُ بجانبها ويقبلها في كتفِها وهوَ ينظُرُ عَبْرَ النافذة) نعم .. إنه العقعق.
(تنفُرُ في دلعٍ وقد استبد بها غضبٌ مُصطَنَع) كلّا .. لقد طفحَ الكيْل .. يا للوقاحة!
(يقترب منها ثانيةً وهو يمسك بيدِها) عفواً يا سيّدتي! .. لقد قُمتُ بهذا بدافع الحُب .. بدافع الحُب حقّاً.
(تحاول جاهدةً الانصراف) يبدو إنك تعتبرُني امرأةً ريفيّة ساذَجة.
ولكن خليستاكوف لا يترُكُ يدها بل يتشبَّثُ بها ويجثو على رُكبتيْه مستعطفاً إيّاها ويبُثُّها لواعج شوْقه.
