الذي كان يصرخ ألف يوم (3)
وخافَتْ الآنسةُ أن تبيتَ وحدَها وطلبتْ إلى عددٍ من الموْجودين أن يُشاركوها بيتَها لا فِراشها، وناموا حوْلَها على الأرض، وظلَّتْ هيَ على فِراشِها تتقلَّبُ حتى الصباح.
وعندَ الصباح جاءت العجوز تقول لها: إن المحب الولهان قد تُوفيَ أمس وهوَ يصرخُ من الألم والهَوان عند الساعة الحادية عشرة مساءً!
وفي الليْلةِ التالية وفي نفس الساعة سمعَت الآنسةُ الصرخةَ الأليمةَ، وكذلك كل مَن كانَ معها في البيْت، وظَنَّ ضيوفُها أنها نُكتةٌ سخيفةٌ من واحدٍ من الجيران فانطلقوا إلى الشارع ولم يجدوا أحداً.
وفي اليوْم الثالث وقبل الساعة الحادية عشرة بدقائق توزَّعَ الحاضرون في كل غُرَفِ البيْت وأمامَ الباب وفي الشارع، ولمّا حانت الحادية عشرة تعالى الصُراخُ يهزُّ الجميع.
وفي اليوْم الرابع جاءَ رجال الشُرطة وكانت دهشتُهم أعنف، ولكن أحداً لا يدرى معنى هذا الذي حدث.
وأحسَّت الآنسة بالحُزن العميق لأنها لم تذهبْ إلى لقاء "م" في تلك الليْلة، واعتادت على الصُراخ وفي إحدى المرّات قرَّرَتْ أن تتأخَّرَ في المسرح إلى ما بعد الحادية عشرة .. وعندما وقفتْ على بابِ المسرح في انتظار عربتِها التي تجُرُّها الخيول جاءَ أحدُ عُشّاقِها وعندما كان يودِّعُها ويُقبِّلُها على خَدِّها حدثَ شيءٌ غريب، فقد أحسَّ أن سيْفاً من الثلجِ يمرُّ خاطفاً في هذه المسافةِ الصغيرةِ بيْن شَفتيْه وخَدِّها، ومع السيْفِ البارد صُراخٌ مُلتَهِب، وسقطَ الرجلُ على الأرض وهربت هيَ إلى عربتها.
وتَذْكُرُ الآنسة لاكلايرون أنها ذهبتْ مع فرقة "الكوميدي الفرنسيّة" إلى قصر فرساي، وكان لا بُدَّ لها أن تبقى هُناك ثلاثة أيّامٍ احتفالاً بزواج وَلي العهد، وكان لا بُدَّ أن تُشاركَ إحدى المُمثِّلات غُرفتَها، وقبلَ أن تنامَ الآنسة لاكلايرون قالت وهيَ تُداعِبُ زميلتَها في الغُرفة:
أخشى أن نسمعَ أيَّ صوْتٍ في هذا الجَوِّ الخانِق!
ولم تكَد تُكمِلُ هذه العبارة حتى انطلقت الصرخةُ تُزعزِعُ كُلَّ من في قصر فرساى، حتى الملك الذي قفزَ من سريره، ولمّا سألَ عن السبب قيلَ له إنه أحدُ السكارى تحت النافذة، فأمرَ الملكُ أن يضعوه في السِجن فوْراً، ولم يشَأ أحدٌ أن يقولَ للملك حقيقةَ ماحدث.
وحدث شيءٌ من التغيير، فبعدَ أن فقدَ الصوْتُ الصارِخُ أثرَهُ على الآنسة لاكلايرون تحوَّل الصوْتُ إلى طَلْقٍ ناري، ففي كل ليْلةٍ وفي نفس الموْعِد ترى الآنسةُ من النافذةِ طَلْقاً ناريّاً مُدوّياً وهوَ مُوجّهٌ إلى نافذتِها، فإذا خرجَ أحدٌ من الناسِ ليفحصَ النافذة لا يجدُ أثراً لأي شيء.
وظلَّتْ هذه حالُها ثلاثةَ شهورٍ أُخرى، وقد تحرَّرَ بذلك محضرٌ في باريس في أغسطس سنة ١٧٤٤، واعتادت على هذا الصوت، ولم تعُد تفزعُ له، وأصبحَ نُكتةً، وكانت تُداعِبُ عُشّاقَها فتخرجُ لهم إلى البلكونة قبل الموْعدِ المعروف، وعند الحادية عشرة يدوّي عيارٌ ناريٌّ مُفزِعُ الصوْت، وتضحك هيَ لذلك.
وأصبحتْ الآنسةُ نَجمةٌ شهيرة، وظلّتْ على قِمّة الأداء المسرحي أكثرَ من عشرين عاماً، وانتقلت إلى بيْتٍ تملكه، وفي إحدى الليالي جاءتها العجوزُ التي حملتْ لها من قبل رسالةَ العاشقِ المجنون، وروَتْ لها أنها كانت تعتني بهذا الشاب في أيّامه الأخيرة، وقالت لها أنه كان يُحبُّها، وكانَ يعلمُ صعوبةَ هذه العاطفة، ولكنه لم يكُن يدري ما الذي يفعله، إنه يُحبُّها .. هذا صحيح، وهوَ في نفس الوقت كان يجب أن يعيشَ من أجل والديْه المريضيْن وأن يُعينَهما على الحياة، ولكنه لا يستطيعُ أن يُضحّي بحياته من أجلهما، فمن حقِّهِ هوَ أيضاً أن يعيش، وشاءَ القَدَرُ أن تكونَ الآنسةُ هيَ حُبُّه الأوّل والأخير.
وفي الليْلةِ التي تمنّى أن يراها فيها حاولَ أن يقفَ على رِجليْه .. وأن يموتَ عند بابها، ولكنه لم يستَطِع، وسقطَ من فِراشه، وكانت النهاية.
وسألتْ الآنسة:
ولكن لماذا هذا الصُراخ؟!
وقالت العجوز:
سوْفَ يظلُّ هذا الصوْتُ يُطارِدُكِ بعدد سنواتِ تعذيبِكِ له ..
ألفَ يوْمٍ تماماً!
واختفى الصوْتُ بعد هذه المُدّة، واختفت العجوزُ أيضاً!
وظلَّتْ الآنسة سيّدةً للمسرح الفرنسي أكثرَ من ٢٢ عاماً، ثم اعتزلتْ المسرح سنة ١٧٦٦، وفتحتْ مدرسةً للفنون المسرحيّة، وعاشت أربعَ سنواتٍ بعد الثوْرة الفرنسيّة، وماتت سنة ١٨٠٣، ويبدو أن شيْئاً غريباً قد حدثَ له بعد كتابة مُذكّراتِها، فقد قالتْ في الصفحةِ الأخيرةِ من المُذكّرات:
عندي شعورٌ غريبٌ بأنني سوْفَ أموتُ قريباً .. لا أعرفُ سِرَّ هذا الشعور، ولكن الصوْت الذي كان الناسُ يسمعونه معي .. هذا الصوْت أصبحَ يهمِسُ في أُذُنيَّ ويقول: "تعالي" .. ومن الغريبِ أنني أصبحتُ دونَ شُعورٍ مني أقولُ له: "سوف أجيء" .. فيقولُ لي الصوْت: "بعد شهرٍ واحد" .. وأقولُ له: "لن أتأخَّرَ يوْماً".
وماتت بعد شهرٍ بالضبط!
