الذي كان يصرخ ألف يوم (2)
إذن لقد تحوَّل مديرُ الفِرقة إلى مُدافعٍ عنها، وتعوَّدت هيَ على كَذِبِ الرجال الكِبار - وكانَ مُدير الفرقة يكبرُها بأربعين عاماً - وركبتْ أعناقَ الذين هُم أكبرُ سنّاً وأضعفُ خُلُقاً وأعمقُ سفالة، فارتفعت إلى قِمّة المسرح الكوميدى.
ولكنها كانت موهوبة، وكانت أيضاً أجملَ نساء عصر الملك لويس الخامس عشر، هذه حقيقةٌ لا شكَّ فيها، وقد تحدَّثَ كثيرون من الأُدباء والمُمثِّلين والمُخرجين عنها كأجملِ مخلوقات الله وأخبثِها وأقدرِها على تعذيبِ مَن يستحق العقاب من كل أبناء عصرها.
وقاومتْ كل رجال العصر وقرَّرتْ أن تكونَ المُمثِّلةَ الأولى في فرنسا، وترامى الرجالُ عند قدميْها، وظلَّت عالية الرأس، وتساقطت الورودُ حوْلَها، وتحطَّمت القلوبُ عندها، ولكن كانت آمالها أعلى وأقوى من كل هذا الذي يلمعُ في عيونِ الناس ويبرقُ في أيْديهم، وسدَّتْ أُذُنيْها عن الكذب الجميل، وأمسكت شفتيْها عن
الشفاه المُرتجفة، فهيَ مشغولةٌ عن كل شيء، إنها تريدُ أن تكونَ شيْئاً، أن تَرُدُّ اعتبارها، أن ترتفعَ بنفسِها عن أصلِها المُتواضِع.
وفي مُذكّراتِها تروي أعجبَ قصصها ولك أن تُصدِّقَ أو لا تُصدِّق، ففي الدُنيا أشياءٌ كثيرةٌ لا يفهمُها العقل، فما يزالُ العقلُ في أولى مراحله، إنها تُساهِمُ بقِصّةٍ تُضافُ إلى ملايين الألغاز في العلاقةِ التي بيْننا وبيْن السماء، أو بيْن هذه الحياةِ وما بعدَ الحياة.
وتقولُ الآنسة لاكلايرون أن شابّاً من أجملِ شبابِ باريس تعلَّقَ بها،
ومالت إليه وأحبَّها جداً، وعرَفَ الناسُ جميعاً ذلك، وراحت تسألُ عنه، والذي عرفته لم يعجبْها فهو لَيْسَ من الأغنياء، ولكنه حريصٌ على أن يبدو كذلك، ثم هوَ يتنكَّرُ لأصله، ويدَّعي أنه من سُلالةٍ ثريّةٍ أباً عن جَدٍّ عن جَد، ولكنها هيَ وَحدها التي عرفت حقيقتَه، وكانَ في استطاعتِها أن تفهمَ لماذا يُحاوِلُ إنسانٌ فقيرٌ وضيعٌ أن يبدوَ نبيلاً غنيّاً، أمّا هوَ فكان مُضطَّراً إلى أن يفعلَ ذلك لعلّه يلفتُ نظرَها، أو يصرِفُ نظرَها عن مئات الأثرياء الحقيقيّين الذين سدّوا الطريقَ إليها، ولكنها كرهَتْ أن يكذبَ الرجل في عواطفه أو في علاقاته الاجتماعيّة، لوْ قالَ لها: "إنني فقيرٌ مثلك .. حقيرٌ مثلك .. ولكنني أسمو على كل شيءٍ بحبّك"، لوْ قال ذلك لأحبَّتْهُ وضحَّت بالدُنيا كلّها من أجله.
ولكنه كذب لكي يبدو أكبر، مع أن الرجالَ لوصدقوا لكانوا أكبر بالفِعل، ولكن الرجال لا يعرفون المرأة، وكانت تقول:
إن الرجالَ لا يعرفون هذا الطراز الغريب من النساء .. إنهم لا يعرفون بالضبط ما يعجبُني .. إننى رقيقة .. هذا واضحٌ ولكني أُحبُّ العُنف .. إنني صريحة ولكني أُحب أن أكذب وأن يُصدِّقَني الناس .. وفي لحظةٍ واحدةٍ أُحب أن أكونَ صادقةً حتى آخر قطعةٍ في عَظمي ودمي .. أحب الكذبَ طول الوقت .. وأحب الصِدقَ العميقَ لحظة النَشوة .. أيُّها الرجال أنتم علَّمتم المرأةَ كل شيء .. ونسيتم أن تتعلّموا منها شيْئاً واحداً: متى يكون الكَذِب ومتى يكونُ الصِدق؟!
هذا الشاب وليكُن اسمه "م" أحبّها بجنون، وأغربُ من ذلك أنه أرادها أن تكونَ له وحده، وهذا شُعورٌ طبيعي، ولكن ليس له ما يُبرِّرُه من العلاقة العارضة العابرة بيْنها وبيْنه، ولكن قلبَ المرأةِ ينفتحُ إذا دقَّت الشفقةُ بابَه، فالمرأةُ أُمٌ بطبعِها، أُمٌ لأي رجُل، أصغر أو أكبر منها، وعندما أحسَّتْ الآنسة أنه سوْفَ يُعطِّلُها عن العملِ في المسرح أشارت إلى الذين حوْلها أن يُبعِدوا عنها ذلك الشاب "م".
ولكن ملايين الأيْدي لا تستطيعُ أن تُبعِدَ قلبه عنها، ولسوء حظ القلوب أنها أبعدُ من الأيدي، ولذلك إذا استقرَّ فيها داءُ الحُب فلا تستطيعُ يَدُ الطبيبِ أو العشيقةِ أن تُعالجَهُ أو تُحطِّمَه.
وراحَ يبعثُ إليها بخطاباتٍ طويلة، تكدَّستْ الخطاباتُ ولم يكُن في
استطاعتها أن تفتحَ هذه الخطابات، ولكن حُبَّ الاستطلاعِ جعلَها تفتحُ واحداً منها.
وكان ما توقَّعته: حُبٌّ مجنونٌ أو جنونُ المُحِب، في خطابٍ يقولُ لها:
لوْلا أن الانتحارَ سوْفَ يحرِمُني من العذاب لأنهيْتُ حياتى .. ولكن حياتي هيَ عذابُ البُعد عنك .. ولذلك سوف أعيشُ مهما كانت هذه العيشة.
وفي إحدى الليالي جاءتها رسالةٌ عاجلةٌ في الليْل مع سيّدةٍ عجوز، الرسالةُ تقول:
إنني مريض .. وأُريدُ أن أراكِ .. فقط هذا أملي.
وذاتَ يوْم كانَ في بيْتِ الآنسةِ عددٌ كبيرٌ من الضُيوف، وكانَ من عادتها أن تُغنّي وترقُصُ وتشربُ ثم تُودِّعُ ضيوفَها جميعاً، ومن النادرِ أن تستبقي منهم أحداً، فتقول في مُذكّراتِها:
تعلَّمتُ من الرجال ألّا أُشعِرَهم بأن هناك واحداً أفضلُ من الآخرين .. وإن كانوا يعلمون إنني لا بُد أن اختارَ واحداً منهم. لكن لا يُحطِّمُ قلبَ الرجُل إلّا شعورُه بأنه في مُنافسة .. إن هؤلاء الرجال يُفضِّلون أوْهامهم الجميلة .. ولكن ليست عندهم شجاعةً كافية .. كَمْ تمنيْتُ ولوْ مرّةً واحدةً أن أجدَ رجُلاً يمسِكُ كُرباجاً ويضربُ كل هؤلاءِ الموجودين ويختارُني بالقوّة .. ويطردهم بعُنف .. بل ويسدُّ البابَ في وَجه الدُنيا وأن يمنعَني من الذهاب إلى المسرح .. ولكن أحداً لم يفعلْ ذلك!
وتأثَّرت الآنسة لرسالة الشاب المُتأخِّرة، وقرَّرتْ أن تذهبَ لزيارة الشابِّ المريض، ولكن ضيوفَها منعوها، وعادت العجوزُ لتُبلِغَ الشاب "م" بانشغال الآنسة مع اعتذارها الرقيق.
وعادت الآنسةُ إلى الغناء، وغنّت، وعندما انحنَتْ لتصفيقِ ضيوفِها، سمعتْ صرخةً رهيبةً تُمزِّقُ الليْل، وجمدتْ الدماءُ في وجوههم، وبعضهم ترامى على مقعده، وتلفَّت الجميعُ حوْلَهم، وأمسكوا المَشاعِلَ يُفتِّشون كل غرفةٍ في البيْت، بل أن بعضُهم خرجَ من البيْتِ ينظُرُ إلى البيوت المجاورة، ولكن لا أثرَ لأيِّ أحد، وكانت الساعة الحادية عشرة مساءً.
