الذي كان يصرخ ألف يوم (1)
لوْ كانت هيَ أيضاً تُحبِّه لأحبَّت العذابَ معه ومن أجله، لوْ كانت تحبّه لسارعت إلى الموْت لتكونَ معه في العالَم الآخر، ولكنه كانَ يتعجَّلُ كل شيء، يُريدُها أن تُحبَّه من أوّل نظرة كما أحبّها، يُريدُها أن تكونَ له وهيَ لا تعرفُه، وكان من الصعبِ عليها أن تُجيبَه إلى كل شيء، فقد نسيَ أنها لم تسترِح إلى أسلوبه في مُعاملتها، فهيَ لا تُعجَب بالرجُل الذي يكذبُ على نفسه وعلى غيْره، فهيَ فقيرةٌ ولا يخفى هذا على أحد، وهيَ ابنةٌ غيْر شرعيّةٍ وترى في ذلكَ نِعمةً كُبرى لأنها ليست مُرتبطةً بأُمٍّ أو أب، ولا يُطالِبُها أحدٌ بأن تكون "بنت ناس" فهيَ بنت وهذا يكفي.
وهيَ لا تتوقَّعُ أن يزورَها عمٌّ أو خالٌ أو ابن عمٍّ أو ابن خال، وإنما هيَ وحدها التي تختارُ من الناسِ مَن يعجبُها، وهيَ سعيدةٌ بأنها وحدها في هذه الدُنيا، شجرةٌ بريّة أو حيوانٌ بري، والناسُ يُفضِّلون البنت الوحيدة الجريئة، فكل واحدٍ يطمعُ فيها، أو يطمعُ أن يقومَ لها بدور ابن العم وابن الخال أو الأخ أو الأب، وهم جميعاً كاذبون وهيَ تعرف ذلك، وتعرف أيضاً أن الناسَ جميعاً مُمثِّلون، بعضُهم رديءٌ كالذين لا موهبةَ لهم، وبعضُهم على درجةٍ كبيرةٍ من الموْهبة، ولكن ليس عندهم صبرٌ وجَلَدٌ على الاستمرار، وهذا أفضلُ لأنهم يتساقطون في الطريق إليها، وتنشغل بغيرهم من الناس، وأحسنُ عذابٍ للغُزاة أن يموتوا وهم يحترقون، وهذه هيَ لذَّتُها الكُبرى.
وهذه الخبيرةُ بصنف الرجال اسمها مدموازيل لاكلايرون أشهر ممثلةٍ في فرنسا في عصر الملك لويس الخامس عشر ، ومعشوقة البلاط وحُلم النبلاء وهدف الأغنياء والأفّاقين في ذلك العصر، وكانت شديدةَ الذكاء والغرور أيضاً، وتقول في مذكّراتها:
أمّا إنني ذكيّة فقد تعلَّمتُ ذلك من أغبياء الرجال .. وأمّا أننى مغرورةٌ فكل فنّانٍ كذلك .. فإنى واحدةٌ كما أن باريس واحدة في هذه الدُنيا.
سألها الملك لويس الخامس عشر بعد أن فرغتْ من تمثيلِ إحدى رواياتها:
يا آنسة لا كلايرون ألم يكُن من المُناسب أن تترفَّقي بعُشّاقكِ ليْلة أمس؟!
وكانَ الملك يشيرُ إلى أنه هو شخصيّاً كان يُريدُها أن تبقى معه وقتاً أطول، لوْلا أنها اعتذرتْ بأن صديقاً آخر ينتظرُها بالباب، وكان رد مدموازيل لاكلايرون:
موْلاي أنت تجلسُ على عرش فرنسا .. ماذا تفعلُ يا مولاي لوْ دَقَّ بابَك كل رعاياك وطلبوا إليك أن تُعطيهم يَدك ليُقبّلوها؟!
فقال لها:
لوْ طلبوا لفعلت.
قالت:
إذن أعطِني يدك بالنيابة عن فرنسا.
ومدَّتْ يدها ثم قلبَ يدها وقبّلها وهو يقول:
بالأصالةِ عن نفسي!
ومدموازيل لاكلايرون هذه قد طالَ عُمرُها وعاشت بالطول والعرض، وقبلَ وفاتِها بقليل كتبت مُذكّراتها بعنوان: "مُذكّرات إيبوليت لاكلايرون" ولم تُخْفِ عن قُرّائها أي شيء، فاعترفتْ بعُشّاقِها وأسمائهم، وقد أدَّتْ هذه المُذكّرات إلى فضيحة الجميع.
ولم تُحاوِلْ أن تتستَّر على ضَعْفِ الرجال من النبلاء والأغنياء، ولم تكَد تُصدِرُ هذه المُذكّرات حتى اختفت في أيّام، فقد أخفاها كل الذين وردت أسماؤهم فيها ، بل إن أحدَ النُبلاء قد اشترى أكثرَ من ألفِ نُسخةٍ خوْفاً على والدته التي لم تكُن تشُكُّ مُطلقاً في إخلاصِ أبيه، ولكن تفاصيلَ هذه المُذكّرات قد تناقلها الناس على أي حال، بل إن هذه المُذكّرات قد أُعيدَ طبعُها وأضافَ إليها الناشرون قِصصاً كثيرةً من عندهم، وراحوا يُهدِّدون بها الأُسَرَ النبيلةَ في فرنسا.
وُلِدَت الآنسة لاكلايرون في مدينة كوندية سنة ١٧٣٣، والمدينةُ تقع على الحدود بيْن فرنسا وبلجيكا، وعُرِفَتْ الآنسةُ بأنها ابنةُ جاويشٍ في جيْش الملك لويس الخامس عشر، واتجهتْ بنفسِها إلى التمثيل، فهيَ التي ذهبتْ إلى فرقة "الكوميدي الإيطاليّة" وطلبت أن تكونَ بيْن أفرادِها، وكانت في الثالثة عشرة من عُمرها.
وعندما قدَّمتْ نفسها لمدير الفِرقة سألها:
هل تعرفين أن هذه المهنةَ صعبةُ جداً؟
قالت:
أعرف.
قالَ لها:
هل تعرفين مَدى هذه الصعوبة؟
قالت:
سمعت عنها الكثير .. ولكن أعتقدُ أنني لا أصلحُ لأي شيءٍ آخر.
وأشارَ مُدير الفِرقة إلى غُرفته وأقفلَ عليهما الباب، وخرجت الآنسة لتقول:
مهنةٌ صعبة .. ولكن هذا الذي حدثَ هو أصعبُ ما في هذه المهنة!
ولكنها اعتادت على هذه الصعوبات العنيفة في سِنٍ صغيرةٍ وساءت سُمعتُها.
وعندما رشّحوها سنة ١٧٤٣ لتقومَ بدور البطولة في مسرحيّة "فيدرا" للأديب العظيم راسين تردَّدَ الكثيرون، وقالوا:
ولكن سُمعتَها!
وقالَ مدير الفرقة:
الإنجيلُ يقول: فليرمِها بحجرٍ مَن كان منكم بلا خطيئة.
