ولما رآها حارس نابوليون هرب (2)
وجاءت المشاعل واختفت السيّدة الخضراء، ومن الأوْصاف التي رواها الملك أدرك الجميع أنها دوروثي ابنة صاحب القصر، ولمّا نظرَ الملك إلى لوْحتها على الحائط قال: هيَ هذه تماماً!
وهربَ الملك ..
وكان حادثاً مُؤلِماً أن يفزعَ "المُهذَّبُ الأوّل" وأن تنتقلَ هذه القِصّة إلى كل القصور، وأن يرويها الملكُ نفسُه بتفاصيلٍ أُخرى.
وصدرت الأوامرُ بأن يقفَ الحُرّاس في كل مكان ليْلاً ونهاراً، وقد جلسَ الحُرّاسُ يلعبون ويشربون يوْميْن وليْلتيْن، وفي الليْلة الثالثة رأوا الفُستانَ الأخضر ينزلُ السلالمَ الكُبرى للقصر، كانت حركتها بلا صوْت إلّا أن صورتها واضحة جدّاً: طويلةٌ .. شعرها منكوش .. ضاحكة .. وعيْناها تجويفان .. وفي يدها باقةٌ من الورد .. وتتّجهُ إلى الحُرّاس، فهربوا جميعاً، وعادت هيَ إلى التلاشي واختفت.
وفي سنة ١٨٣٥ كان الاحتفال في القصر بيوْم رأس السنة، ورآها الجميع، وهربَ الناسُ ولم يحتفلوا برأس السنة، وإنما أقاموا لصاحبة الفستان الأخضر حفلةً من الحكايات، حتى استقرّت هذه القصة بصورةٍ واضحةٍ مفزعة في كل بيت، وقرر صاحبُ القصر أن يأتي بحُرّاسٍ آخرين وأن يُزوِّدَهم بالسلاح وأن يُحرِّمَ عليهم الخمر.
وجلسَ الحراس يتلفَّتون وأسلحتهم في أيديهم، ثم ظهرت ذات الفستان الأخضر، وامتدَّتْ الأيْدي إلى السلاح وانطلقت الأعيرة الناريّة، ولكن ذات الفستان الأخضر ما تزال تبتسم وتتقدَّم نحوهم، وهرب الحراس.
ولم يكُن من السهل على أسرة الفيكونت تاونسند أن يتركوا هذا القصر الذي يملكونه منذ أكثر من مائة سنة فهو قطعةٌ من تاريخ الأُسرة.
وأخيراً اهتدوا إلى شخصيّةٍ معروفة، فقرروا أن يلجئوا إلى الكابتن فريدريك ماريات (١٨٤٨ - ١٧٩٢)، وهو البحّار المُغامِر الذي كانَ يحرُسُ جزيرة سانت هيلانة حتى لا يهرب نابُليون الذي أسره الإنجليز وحبسوه في هذه الجزيرة، فكانَ الكابتن فريدريك يدورُ بمُدمِّرةٍ صغيرةٍ حوْل هذه الجزيرة، وكانَ أيضاً أديباً ومؤلِّفاً صدرت له أكثر من ٢٦ رواية أهمّها رواية اسمها "سفينة الأشباح" ثم أصدرَ كتاباً عن حياته ومغامراته، وقد نشرت ابنته فلورانس (١٨٩٩ - ١٨٣٨) قصة حياة والدها، وكانت هذه الابنة أديبةً أيضاً فقد صدرَ لها ١٦ كتاباً وديوان شعر، وأهم أعمال هذه الابنة أنها هيَ التي روت لنا قصة والدها مع ذات الفستان الأخضر، تقول إنهم استدعوا والدها وهو رجلٌ شجاعٌ وجريء، العالَم كله يعرف ذلك، وذهب الأب إلى القصر، وطلبَ أن يدخُلَ قاعة ذات الفستان الأخضر وأن يقفلوا عليه الباب تماماً وأن يُعطوه المفتاح، وقبل ذلك طالب بتغيير كل أقفال أبواب القصر، أمّا تفسير الكابتن ماريات لِما يحدُث فهو أن جماعةً من المُهرِّبين يحاولون تخويف سُكّان هذه المنطقة ليصفو لهم الجَوْ في التهريب ولذلك لابد من أبعاد كل الناس ليلاً ونهاراً عن هذا القصر.
وفي أوّل ليْلةٍ بالقصر كان اثنان من الحراس يمشيان بالمشاعل إلى جواره، وقد حمل كل واحدٍ منهما سلاحاً، أمّا هوَ فقد خلعَ بعض ملابسه واتجه إلى الغُرفة التي في نهاية الممر، وبينما هم في طريقهم إلى الغُرفة رأوا سيّدةً تحمل مصباحاً تقترب منهم فأفسحوا لها الطريق بعد أن ظنّوا أن هذه السيدة قد أخطأت طريقَها إلى الجناح الخاص بالسيّدات واتجهت إلى جناح الرجال.
وشعر الكابتن بالحرج الشديد، فقد كان في نصف ملابسه، وتوارى الجميعُ في إحدى الغُرف لكي تمُرَّ السيّدة، واقتربت السيّدةُ أكثر، وفوجئ الجميع بأنها هي ذات الفستان الأخضر. وكانت ضاحكةً، وكانت عيْناها في مكانهما خضراويْن.
