جمعية الأدباء الصامتين حتى الموت (1)
.. إلّا هذا البيْت!
هذا التحذير يُردِّدُه عشرات من الزملاء في جامعة كمبريدج، ولكن لهجةَ التحذير لا تدُلُّ على شيءٍ مُخيف، فمن عادة الطلبة أن يسخروا من كل شيء، وحتى لا يتهمهم أحد بالهدم فأنهم يكوِّنون جمعيّاتٍ لكل رغبةٍ خاصة، ففي مدينة كمبريدج توجد جمعيّاتٌ من كل نوْع: جمعيّة مُحبّي الخُمور، وجمعيّة الذين يكرهونها، وجمعيّة هواة طوابع البريد وجمعيّة الذين لا يؤمنون بالبريد،وجمعيّات المشي والجري والسباحة والنوْم في فراش الآخرين والنوْم وحيداً حتى الموْت، وجمعيّة المعاني الأبديّة وجمعيّة المبادئ الهدّامة إلّا قليلاً، والذين يُحبّون الزُجاجات الفارغة وأغطية الزُجاجات، وجمعيّة خطف الملابس الداخليّة للفتيات وإحراقها في احتفالٍ مَهيب .
وهناك جمعيّةٌ تقول: من السهل على أي إنسانٍ أن يقفَ على قدميْه ولكن من الصعب أن يقفَ على أكتاف الآخرين، فكيف يكون ذلك سهلاً إذا أردت ولفترةٍ طويلة؟!
ومعروفٌ لكل الناس في مدينة كمبريدج هذه أين يجتمع هؤلاء الشُبّان وفي أي وقتٍ من النهار أو الليْل، وماذا يشربون وماذا يأكلون، ليس هُناك سِر، فالكل يعرفُ ما يدورُ في رؤوس الكل، ومَن شاءَ انضمَّ إلى الجمعيّة أو النادي الذي يُريد.
فمن المُهم جداً أن يكونَ للإنسان نادٍ، وأن يكونَ هذا النادي أكثرَ قداسةً من الكنيسة، إن كانت لها قداسةٌ في هذه المدينة الجامعيّة!
.. إلا هذا البيْت!
إنه التحذير الذي يتردَّد في كل مكان، مع أن "هذا" البيت - الذي يُحذِّرون الناسَ منه - ليس أقدمَ البيوتِ ولا أكثرَها بُعداً عن المدينة، إنه واحدٌ من ألوف البيوت التي عُمرها ٢٠٠ سنة، صحيح أن بابَه ضيّق وسلالمه مُظلمة، ولكن أين هيَ البيوتُ القديمة ذاتَ الأبواب الواسعة والمداخل المُشرِقة؟ ولا حتى بيوتُ الأمُراء ولا قصور النبلاء في ذلك الوقت من القرن الثامن عشر - عصر الملك جورج الثاني - ولم يكُن هذا الملك يحب النُكتة، وإذا حاول إنسان أن يكونَ ظريفاً في حضوره فالعقوبةُ معروفة: يأمُر الملك بإلقائه في الماء البارد وهوَ يضحك .. الملك يضحك ومحكومٌ على هذا الشخص أن يضحكَ وإلّا تركوه عارياً في الماء.
ولمّا قيلَ لهذا الملك إن "هذا" البيت قديمٌ وأنه خانق .. كان ردُّه:
إننا جعلنا الأبوابَ ضيّقةً ليكونَ هُناك فارقٌ بيْن أبواب البيوت وأبواب السماوات!
وكانَ الذين يسمعون مثل هذه الردود السخيفة يهزّون رؤوسَهم طرباً لفصاحة الملك، ولما قيلَ له:
ولماذا لا تهدم "هذا" البيْتَ مادامَ الناسُ يخافونه؟
فيكونُ جوابُ الملك:
ولماذا لا نشنق لهم الملوك ورجال الدين ما داموا يخافونهم؟
وكانَ الناسً يفزعون من مثل هذه الإجابات السريعة ويُهنِّئون أنفسَهم على أن السماءَ قد وهبتهم مثل هؤلاء الملوك، ووهبَتْ الملوكَ مثل هذه البديهة الحاضرة.
ويتناقلُ الناسُ رأيَ الملك ويُفسِّرونه ألفَ تفسير، فكلامُه ليس ككل كلام، وإنما إذا صدرت للملك عبارةٌ قامت العبارات الآخرى وانحنت أمامها!
ومعنى ذلك أن الملك جورج الثاني ليس في نيّتِه أن يهدمَ "هذا" البيْت، هذا واضحٌ من كل رُدوده على عُقلاء البلاط وثِرثارات القصر، ولكن لماذا قرَّرَ الملك فجأةً أن يهدمَ "هذا" البيْت وتجمّعَ الناسُ حوْله خوْفاً عليه .. وخوْفاً على أنفُسِهم .. ثم لماذا قرَّرَ في آخر لحظةٍ ألّا يهدم "هذا" البيْت؟!
إن سير كيلي كوش أستاذ الأدب الانجليزي المعروف عنده تَفسيرٌ لذلك وقد جاءَ تفسيرُه في كتابٍ صدرَ له سنة ١٩٣٧ عنوانه "خُرافاتٌ مُفيدة"، خُرافات هذا صحيح .. ولكن مفيدة؟!!!، لا بُدَّ أن يكونَ المقصودُ بالفائدة أنه نشرها في كتابٍ وكسب منها، أي إنه استفادَ من مَخاوف الناس وأوْهامهم، وهوَ في ذلك مثل رجال الدين والسياسة: يبيعون أوْهامَ وأحلامَ الناسِ للناس وفي كل العصور، والناسُ آخرُ مَن يعلَم!
وهوَ في هذا الكتاب يروي كيف أنه ذهبَ إلى كمبريدج وارتفعت الأيدي والحواجب والأكتاف تُحذِّره من "هذا" البيْت، وذهبَ الأستاذ كوش إلى أرشيف الجامعة حتى يعثرَ على التاريخ القريب لـ"هذا" البيْت، ولكن قبلَ أن نمشي وراء السير كوش نقرأ سطوراً عن هذا الأُستاذ الجليل: أنه أستاذُ الأدب الإنجليزي وحاصلٌ على الدكتوراه في الفلسفة من جامعات كمبريدج وأوكسفورد وبريستول وأبردين، وأصدرَ ٥٣ كتاباً، وهوَ أيضاً رئيس تحرير مجلة "النثر" وله دراساتٌ في الفَلَك واجتهاداتٌ في عِلم النفس، وفي آخر أيّامه اتجهَ إلى دراسة الروح وما وراءَ الموْت.
ذهبَ السير كوش إلى البيت، مشى وراء حارسٍ كبيرٍ في السِن، الحارس يفتحُ له الباب، الباب له صوْتٌ غريب، أو ربما ليس غريباً من بابٍ قديمٍ لا يفتحه أحد إلّا كل عشرات السنين، فعندما انفتحَ الباب تساقطَ بعضُ التُراب ونزلت أحجارٌ صغيرةٌ من السقف، وترامت عليه روائحُ كريهة، هذه الروائحُ مألوفةٌ في البيوت المهجورة، أمّا الحارس فقد تركَ البابَ مفتوحاً وهو يقولُ له:
أنا قد رويتُ لك القِصّة وأنتَ ما تزالُ شابّاً شُجاعاً باحثاً عن الحقيقة .. وأنتَ حُر .. وقبلَ أن أتركَك أُريدُ أن أسألكَ يا ولدي: ما هو نوْعُ الزهورِ التي تُحِبُّ أن أضعَها على قبرك؟!
وقالَ الأستاذ كوش وهوَ يضحك:
أي نوْع!
