جمعية الأدباء الصامتين حتى الموت (2)
ومضى الحارس بسُرعة كأنه يخاف أن تمتدَّ إليه أذرُعٌ خفيّة وتسحبه إلى الداخل، ودخلَ الأستاذ كوش .. صعدَ السلم .. اتجه إلى الغُرفة التي تكسَّرت فيها المقاعد والزُجاج والأطباق وتناثرت الشوَك والسكاكين والزُجاجات الفارغة والأقلام والأوراق .. وبقيت في مكانها هذا منذ أكثر من مائتيْ سنة!
أمّا الذي فعله الأستاذ كوش فهوَ ما لم يتصوَّره أحد - وإن كان الأستاذ كوش قد سجَّلَ ذلك في كتابه - فلقد أمضى ليلةً في الغُرفة الرئيسيّة .. نام .. ونام .. وبعد أيّامٍ ألَّفَ كتابه هذا، وبعد صدور هذا الكتاب بسبعة أسابيعٍ مات في فراشه، وقد وجدوه جالساً إلى مكتبه، كأنه تعبَ من القراءة والكتابة فقرَّرَ أن ينامَ في مكانه!
نعودُ إلى عهد الملك جورج الثاني وزوْجته التعيسة الملكة كارولين التي سمعت بقِصّة "هذا" البيْت كاملةً، ولم تشَأ أن ترويها لأحد، وإنما أفضت بسِرِّها إلى إحدى وصيفاتها، وأوْصت بكل شيءٍ بعد أن تموت، ولكن الوصيّة لم تُنَفَّذ، فالوصيفة قد ماتت بعد وفاة الملكة ولم يعرف أحد بهذه الوصيّة إلَا بعد ذلك بمائتيْ سنة، وكان الأستاذ كوش هوَ الذي اكتشفَ سِر الملكة وسِر "هذا" البيْت.
ففي سنة ١٧٣٠ تكوَّنت جمعيةٌ من سبعةٍ من الشُبّان، هذه الجمعيّة اسمُها جمعيّة "السبعة الدائمين أحياءً أو ميّتين"، هذه الجمعيّة تضُم سبعةً من الشُبّان تتراوَحُ أعمارُهم بيْن الثانية والعشرين والثلاثين، هؤلاء الشُبّان اعتادوا أن يلتقوا في "هذا" البيْت في اليوْم الثاني من شهر نوفمبر من كل سنة، هذا اليوْم هوَ "يوم جميع
الأرواح"، وليس عندهم برنامجٌ يناقشونه، وإنما يأكلون ويشربون ويرقُصون ويغنّون ويلعنون كل المُقَدَّسات من أوِّلها إلى آخرها ومن كل دين!، وفي ساعةٍ مُتأخِّرةٍ من الليْل يهدأُ الجميعُ ويعودون إلى بيوتهم على أملِ أن يستأنِفوا اجتماعهم الأيّام السبعة التالية.
ومن الغريبِ أن هؤلاء الشُبّان كانوا يحتفظون بمحاضر لجلساتهم، والذي يقرأُ المحاضِرَ التي عثرَ عليها الأستاذ كوش يندهشُ كيْفَ أن هؤلاء السكارى يكتبون كل شيءٍ بمُنتهى الدِقّة والأناقة .. مثلاً في أول اجتماعهم يدورُ مثل هذا الحوار بينهم:
إذن .. نحنُ قرَّرنا أن نجتمعَ اليوْم .. ثم ماذا بعد ذلك؟
لا بُدَّ أن تكونَ هُناكَ حِكمة .. لا بُد أن يكون لدى كل واحدٍ مِنّا سببٌ وجيه.
ليس من الضروري أن يكونَ هُناك سببٌ وجيهٌ لأي شيء، فليس هناك سببٌ وجيهٌ لكي تكونَ أنت موْجوداً .. ولا أنا ولا أيُّ واحد .. أليس هذا صحيحاً؟
إذن نحن اجتمعنا هُنا دون أن يكون عندنا سبب!
ليسَ من الضروري أن يكون لكل شيءٍ سببٌ .. اجتمعنا .. وجلسنا .. وتناقشنا .. لأننا إذا لم نتكلَّم مِتنا .. وواضحٌ أننا لا نُريدُ أن نموت .. فقد ارتدَيْنا ملابسَ ثقيلةً خوْفاً من البرد .. وأكلنا خوفاً من الجوع .. وضحكنا حتى لا يقضي عليْنا اليأس .. وكل واحدٍ مِنّا روى قِصّة غرامه اعتزازاً برجولته .. وواضحٌ أننا نُريدُ كل الذي فعلناه وهذا يكفي.
ثم يوقِّعون بأسمائهم على محضر الجلسة، أمّا اللائحة الداخليّة لهذه الجمعيّة فتنُصُّ على أن الجمعيّة تتكوَّنُ من سبعة أعضاء، أحياءٌ أو موْتى فالذي يموتُ يظَلُّ عُضواً، فاذا ماتَ الجميع انحلَّتْ
الجمعيّة أو لم يعُد لها وجود!!
وتنُصُّ أيضاً على أن مبادئ الجمعيّة غيْرُ قابلةً للتغيير، وعلى أن الأعضاءَ دائمون، لا يخرُجُ منها أحدٌ ولا يدخُلُها أحد، وأن الذي يتخلَّفُ عن الحُضور لأيِّ سببٍ لا بُدَّ أن يوقِّعَ عليه الأعضاءُ العقوباتِ المنصوصَ عليها .. وهُناك نَصٌّ يقول: ويُمكِنُ في حالة الغضب الشديد والجُنون المُطبق عند الجميع أن يتغيَّرَ اسمُ الجمعيّةِ إلى اسم: "جمعيّة الأُدباء الصامتين في الموت".
وهناك تَحَفُّظٌ في مَحضر الجلساتِ يقول: هذا في حالة إيمان الأعضاء بأنه لا فائدةَ من الكلام الذي يقولونه، أو عندما يفقِدُ الأعضاءُ أيّة شهيّةٍ للكلام فيما بيْنهم، هُنا فقط يجبُ أن يسكتوا إلى الأبد!
