جمعية الأدباء الصامتين حتى الموت (3)
وتوَّقفَتْ نهائيّاً محاضر الجلسات يوم ٢ نوفمبر سنة ١٧٦٦، وجاءت توْقيعات الأعضاء في غاية الوضوح والأناقة، واكتشف الأستاذ كوش شيئاً غريباً بتاريخ ٣٠ نوفمبر سنة ١٧٤٣، ففي هذا اليوْم بالذات ثبت من الدفاتر الرسميّة أن رئيس الجمعيّة واسمه آلان ديرمو قد اشتبك في معركةٍ مع أحد خصومه الذي أصابه بالسيْف في بطنه وراح ينزف من فمه حتى ماتَ في باريس، هذه حقيقةٌ مُؤكَّدة.
وفي نفس هذا اليوْم انعقدَ اجتماع "جمعيّة السبعة" في كمبريدج وجلسوا وتناقشوا ووقَّعوا بإمضاءاتهم السبعة في نهاية الجلسة، وكانت الجلسة قد رُفِعَت بعد منتصف الليْل بقليل، ومن المُؤكَّد أن الرئيس ديرمو قد قُتِلَ قبل هذا الموْعدِ بدقائق في باريس!، أي أن هذا الشاب قد قُتِلَ في باريس وحضر الاجتماع الذي استغرق أربع ساعاتٍ في مدينة كمبريدج والمسافة بيْن المكانيْن تُقدَّرُ بمئات الأميال في عصرٍ ليست به طائرةٌ ولا أي اتصالٍ سلكيٍّ أو لاسلكي.
وفي محضر الجلسة قال الرئيس: إننا مُلتَزِمون باللائحة الداخليّة للجمعيّة، فالواحدُ هُنا يظلُّ عُضواً في الجمعيّة حيّاً أو ميّتاً، ولمّا سأله أحد الأعضاء:
وهل هذا معقول؟!
قالَ الرئيس:
طبعاً معقول .. أعطِني شيئاً معقولاً واحداً في هذه الدُنيا وأنا أجدُ فيه شيئاً لا معقولاً!
ثم أخرجَ من جيْبه كتاباً صغيراً أسودَ ووضعَهُ على رأسه وهو يقول:
خصوصاً هذا الكتاب.
ثم ألقاهُ على الأرض!
ولأوّل مرّةٍ في تاريخ هذه الجمعيّة بعد أن تمَّ إقفالُ المحضر يعودون ويقرِّرون أن الرئيسَ قد مات!، وأن واحداً منهم يجبُ أن يقومَ بدوْر الرئيس!، كيف أنهم لم يشعروا بأنه ماتَ؟، ثم كيف عرفوا أنه مات بعد وفاته بدقائق؟، ثم كيف أنهم لم يُدرِكوا أيَّ تغيُّرٍ
في الشخص الذي كان معهم بعد أن مات؟!
وفي اليوْم التالي أعلنَ الرئيس ديرمو أنه أصبحَ عُضواً ميّتاً، وكتبَ بخط يده ذلك، ويقول الأستاذ كوش:
إن خطَّهُ كان أنيقاً جداً.
وفي ٢ نوفمبر من العام التالي انعقدَ الاجتماعُ في نفس المكان .. وأَعلنَ واحدٌ من الأعضاء أنه أصبحَ عُضواً ميّتاً، أمّا هذا العُضو فهوَ من ضُبّاط الحرس الملكي، وقد كانت وفاتُه معروفة، فهوَ قد ركبَ أحد الخيول وعندما أرادَ أن يقفزَ به من أحد التِلال سقطَ ميّتاً، ومن الثابتِ في دفاترَ القَصرِ أن هذا الضابط قد تُوُفيَ قبلَ انعقاد الجمعيّة بساعاتٍ قليلة، ولكن الأستاذ كوش عندما قارَنَ بيْن إمضاء هذا الضابط ميّتاً وإمضائه حيّاً لم يجد أدنى فارق!
وأقامَ الأعضاءُ الخمسةُ الباقون حفلةَ العَشاءِ التقليديّةَ ولكنهم انزعجوا عندما اكتشفوا الحقيقةَ المُخيفة: إنهم يأكلونَ ويشربونَ مع اثنيْن من الموْتى.
وتفرّقوا بعد أن اتخذوا قراراً ألّا يجتمعوا بعد ذلك .. وفي العام التالي ودون أن يُوَجِّهوا الدعوةَ للحضور، التقوا في نفس "هذا" البيْت وفي نفسِ الغُرفة، وأعلنَ واحدٌ آخر أنه أصبحَ عُضواً ميّتاً، وتحرَّرَ محضرٌ بذلك ووقَّعوا بأسمائهم!
وبعد أسبوعٍ تُوفيَ عضوٌ رابعٌ وبعد شهريْن تُوفيَ عُضوٌ خامس، ثم عضوٌ سادسٌ لقيَ مصرعه في حادثٍ بعد ذلكَ بقليل، وفي يوْم ٢ نوفمبر سنة ١٧٦٦ ذهبَ إلى مكان الاجتماعات العضوُ الوحيدُ الباقي - واسمه الأستاذ بلاسيس مُدرِّس الأدب الإنجليزي - وكان في نيّتِهِ أن يشربَ وأن يرقُصَ وحده وأن يُغنّي وأن يُشعِلَ النارَ في المكان .. وأن يحرقَ دفترَ الاجتماعات، وذهبَ وفتحَ الدفتر وكتب:
أنا العُضوُ الوَحيدُ الباقي قرَّرتُ أن أُنهيَ كُلَّ شيْء .. وأن أحرِقَ الوثائقَ التي تَدُلُّ على هذا العملِ الجنوني الذي لا أعرف كيْفَ حدث ولا كَيْفَ جِئتُ إلى هذا المكان رغمَ حِرصي على ألّا أجيء .. إنني أرى طريقاً فأمشي .. وأقفُ أمامَ بابٍ ينفتحُ .. وأضِعُ رِجلي على عَتبةِ البابِ فيحمِلُني السُلَّم إلى أعلى .. وأجلسُ على مقعدٍ يندفِعُ إلى الأمام وأسحبُ دفتراً مفتوحاً وأمِدُّ يدي إلى قلمٍ يسبقُني إلى الورق .. وأكتُبُ وأوقِّعُ باسمي .. وأُفاجَأ بأن ستة إمضاءاتٍ أُخرى وقد تراصَّتْ الواحدةُ إلى جوار الأُخرى .. ولكن سوف أحرِقُ كُلَّ شيء.
وجاءَ في المحضر أن العدد القانوني قد تكاملَ وأن على العضو الباقي أن يُعلِنَ نفسَهُ عُضواً ميّتاً، ومن الثابت أن ذلكَ العضو السابع قد عادَ في نفس الليْلة إلى بيْته وماتَ في الساعة العاشرة مساءً .. ولكن بالرجوع إلى محضر الجمعيّة نجدُ أن الاجتماعَ قد انتهى في الساعةِ الحادية عشرة وأربعينَ دقيقة، كما سُجِّلَ في المحضر أنهم أصبحوا جميعاً أعضاءً موْتى وأنهم سيختمون اجتماعهم بتحطيم كل شيءٍ في "هذا" البيْت: النوافذَ والأبوابَ والمقاعدَ والأكوابَ والأطباق، وبقيَ هذا الدفترُ كما هوَ ليهتدي إليه الأستاذ كوش بعد قرنيْن في إحدى مكتبات جامعة كمبريدج.
وفي ٢ نوفمبر من كل عام يسمعُ الناسُ ضوضاءً وأصوتاً غريبةً صارخةً تنطلِقُ من "هذا" البيْت، فإذا دخلَ أحدٌ لم يجِدْ أيَّ أثرٍ لأي شيء، ولم يجد أثراً لهذه الأطباق أو المقاعد.
وفي آخرِ أيّام الأستاذ كوش أعلنَ أنه بالرغمِ من كل ما كَتبَ وما رأى وما سمعَ في غُرفة الاجتماعات التي نامَ فيها تلك الليْلة، فإنه لا يجدُ تفسيراً لما سمعَ ورأى وقرأ، وما يرويه الناس في كل مكان، إنه في دهشةٍ ولا يُكذِّبُ ما يرى، ولكن لا يعرفُ كيْفَ يُثْبِتُهُ بالفِعل!
وفي يوْم ٢ نوفمبر سنة ١٩٤٠ تُوفيَ هذا الأديب والمُؤرِّخُ الكبير!
(تــــــــــمَّـــــــــــــــت)
