جروب "شكاوى أهالي قاع الهامور" (2)
هل كان الجروب سياسيّاً؟:
لم يُنشأ الجروب باعتباره مشروعاً سياسيّاً، لكن بعض المنشورات التي ظهرت لاحقاً داخل هذه الظاهرة أو في مجموعاتٍ وصفحاتٍ أُخرى تحمل اسم "قاع الهامور" تضمنت إسقاطاتٍ سياسيّةً وانتقاداتٍ للحكومة والنظام السياسي المصري، وهذه نقطةٌ فارقةٌ جداً، فكوْن بعض الأعضاء استخدموا الجروب أو ظاهرة "قاع الهامور" للتعبير عن آراء سياسيّة لا يعني تلقائيّاً أن مؤسِّس الجروب أنشأه لهذا الغرض.
وبالعكس، كلما زاد عدد أعضاء المجموعة إلى أكثر من مليون شخص، أصبحَ من الصعب جداً على مُشرفي المجموعة التحكُّم في كل ما ينشره الأعضاء.
وقد ظهرت بالفعل مجموعاتٌ وصفحاتٌ أُخرى تحمل الاسم نفسه، وبعضها احتوى على إسقاطاتٍ سياسيّة، وهو ما ساهمَ في انتقال النقاش من الكوميديا إلى الحديث عن "الهدف الحقيقي" للمجموعة.
هل كان الجروب عملاً مُنظَّماً له أغراض سياسيّة؟:
حتى الآن لا توجد أدلة علنية موثوقة تُثبِت ذلك، هذه نقطة يجب التشديد عليها؛ لأن سرعة انتشار المجموعة وزيادة عدد أعضائها لا يمثلان في حد ذاتهما دليلاً على وجود تنظيم سياسي.
فهناك فرقٌ بيْن: مجموعة مُنظّمة سياسيّاً وبيْن مجموعة فيروسيّة انتشرَ فيها مُحتوىً سياسيٌّ بعد أن أصبحت ضخمة (وهو التفسير الذي تتوافق معه المعلومات المتاحة بصورة أكبر حتى الآن).
بل إن طبيعة المجموعة نفسها كانت قائمة على إنتاج المحتوى من جانب الأعضاء، الأمر الذي جعل السيطرة على اتجاهها أكثر صعوبة بعد وصولها إلى هذا الحجم.
هل كان وراء الجروب الإخوان المسلمون؟:
انتشرت اتهاماتٌ بأن "قاع الهامور" جُزءٌ من نشاطٍ لجماعة الإخوان المسلمين، كما ظهرت اتهاماتٌ أُخرى تتحدَّثُ عن مُؤامرةٍ أو جهاتٍ خارجيّة، لكن لا توجد حتى الآن أدِلّةٌ علنيّةٌ موْثوقةٌ تُثبِتُ أن جماعة الإخوان هيَ التي أنشأت الجروب أو أدارت نشاطه.
وقد نقلت BBC أن الاتهامات بوجود صِلة بالإخوان ظهرت في سياق الجدل الذي اندلع حوْل المجموعة، وليس باعتبارها حقيقة ثبتت رسميّاً، كما نقلت أن القائمين على المجموعة نفوا أي ارتباطٍ سياسي، وقالوا إن هدفهم كان الإضحاك فقط.
إذن من المهم أن نقول: اتهام الإخوان بالوقوف وراء "قاع الهامور" كان جُزءاً من الجدل، وليس حقيقةً مُثْبَتةً حتى الآن.
هل كان للجروب علاقة بالرئيس "السيسي"؟:
لا توجد معلومات موثوقة تثبت أن للرئيس "عبد الفتاح السيسي" أو مؤسَّسة الرئاسة علاقة بإنشاء المجموعة أو إدارتها، وفي المُقابل، لا يصح أيضاً تحويل مجرد إيقاف المجموعة إلى دليلٍ على أنها كانت تستهدف النظام أو أن الدوْلة كانت وراء إيقافها بسبب ذلك.
فالسبب الرسمي الواضح للإيقاف لم يُعلن حتى الآن، ومن ثَمَّ فإن الربط المباشر بين "قاع الهامور" والرئيس "السيسي"، سواء باعتباره داعماً أو باعتباره مستهدفاً من المجموعة، يبقى بلا دليلٍ علنيٍّ كافٍ.
لماذا أُوقِفَت المجموعة؟:
في 23 أغسطس 2026 توقَّفت المجموعة، وأظهرَ إشعارها أن التوقُّف مؤقَّت لمدة 59 يوماً، مع تحديد 22 أكتوبر 2026 موعداً لاستئناف النشاط.
وهذه نقطةٌ مهمة: المجموعة لم تُعلِن - وفق المعلومات المتاحة - إغلاقاً نهائيّاً، وإنما تعليقاً مؤقَّتاً، أمّا السبب الحقيقي وراء التعليق، فلا توجد حتى الآن روايةٌ رسميّةٌ حاسمة منشورة تُفسِّره.
وقد جاءت عملية التوقُّف في الوقت نفسه تقريباً الذي تصاعدت فيه الاتهامات والجَدَل حوْل المجموعة، وظهرت تقارير تتحدَّثُ عن فحص خلفيّات القائمين عليها وتوجُّهاتهم، لكن لم تعلن السُلُطات المصريّة رسميّاً فتح تحقيقٍ معهم، وفق ما نقلته BBC.
كما توقَّفت أو أُغلقت صفحاتٌ مرتبطةٌ بالموْجة نفسها، من بينها صفحة ساخرة تحمل اسم "وزارة الداخليّة بقاع الهامور"، الأمر الذي زادَ من علامات الاستفهام حول سبب التوقُّف.
لذلك فإن القول بأن الجروب "أوْقفته الحكومة لأنه سياسي" هو استنتاجٌ لم يثبُتْ رسميّاً، والقوْل في الاتجاه الآخر بأن "الإيقاف كان مجرد قرارٍ عادي من فيسبووك" يحتاج أيضا إلى دليلٍ مُباشر، والصياغة الأكثر دقة هي:أن الجروب توقَّفَ مؤقتاً حتى إشعارٍ آخر.
لماذا أثار جروب ساخر كل هذا القلق؟:
ربما تكمن الإجابة في شيءٍ أبسط من كل نظريات المؤامرة:
"الحجم الهائل الذي وصل إليه في فترةٍ قصيرةٍ جداً".
فالفكرة بدأت كنوْعٍ من المزاح، لكنها تحوَّلت خلالَ أقل من أسبوعيْن إلى مُجتمعٍ يقتربُ من مليونيْ عُضو، وبهذا الحجم لم يعُد من السهل النظرُ إليها باعتبارها مجرد مجموعةٍ صغيرةٍ للنكات.
المشكلة ليست بالضرورة في "سبونج بوب"، وإنما في أن أي مساحةٍ إلكترونيّةٍ بهذا الحجم يُمكِنُ أن تصبحَ منصّةً للتعبير عن اتجاهاتٍ مُختلفة جداً.
فكلما زاد عدد المشاركين، زادت احتمالات ظهور:
محتوى سياسي.
محتوى مُضلِّل.
حسابات مزيّفة.
حملات مُنظَّمة.
محاولات استغلال الترِند.
صفحات تنتحل أسماء مؤسَّسات.
منشورات لا علاقة لها بالفكرة الأصليّة.
وهذا ربما يُفسِّر لماذا أصبح الجروب موْضوعاً للنقاش العام.
هل "قاع الهامور" تعبيرٌ عن غضب المصريّين؟:
هذه النقطة - في رأيي المُتواضع - هيَ الأكثر أهميّة من السؤال السياسي المُباشر، فحتى إذا افترضنا أن الجروب بدأ بهدف الضحك فقط، فإن نوْعَ النكات التي انتشرت داخله لم يكُنْ عشوائيّاً تماماً، فلماذا اختار الناس الحديث عن الغلاء والإيجارات والسكن والعمل والمواصلات والدروس الخصوصية؟، والإجابة: لأن هذه الموضوعات موجودة أصلاً في حياتهم، وهُنا تتحوَّلُ السُخرية إلى نوْعٍ من التنفيس الاجتماعي.
وقد عبّر "علاء الخيّام" (رئيس حزب الدستور الأسبق) عن هذا المعنى عندما وصفَ الظاهرةَ بأنها طريقةٌ لمواجهة الألم بالضحك والتعبير عن الأزمات في صورةٍ ساخرة.
لكن ينبغي ألّا نُبالِغَ في هذا التفسير أيضاً، فليس كل من كتبَ نكتةً عن الغلاء غاضباً سياسيّاً، وليس كل من سخرَ من مشكلةٍ اجتماعيّةٍ مُعارضاً للنظام، فالسخرية المصريّة لها تاريخٌ طويل، وقد تكون أحياناً مجرد وسيلةٍ للضحك على الواقع بدلاً من مواجهته مُباشرةً.