أقسى احتفال بعام جديد (2)
وكانَ من عادة تشارلز كين أن يأوي إلى فراشه وأن يُكمِلَ الشَراب في السرير، ولكن في هذه الليلة أحسَّ بمغصٍ شَديد، ولذلك لم يَشَأ أن يذوقَ شيْئاً من الشراب، حتى القراءة وجدَ نفسَه عاجزاً عن الاستمرار فيها، كل ما يُريدُه هوَ أن يتمدَّدَ في هدوء أو يتمدَّدَ ليكونَ في حالةٍ من الهدوء، وكانت زوجته ما تزال تشربُ مع السيّدات الأُخريات في مكانٍ ما من القصر، وفجأة وجدَ فتاةً تُطِلُّ من النافذة المقفلة، الفتاة ترتدي فُستاناً أبيضَ فِضيّاً، كانت في العشرين من عُمرها واندهشَ كيف إنه لم يشعُرْ بها عندما دخلت، ثم إنه لم يرها أثناءَ العَشاء، مَن هيَ؟!، أندهش .. خاف .. نهضَ من الفراش واتجهَ إليها، ولكن عندما أمسكَ الشمعةَ في يده واقتربَ منها ليراها أوْضح اختفت، وأقسمَ تشارلز كين أن الذي رآه صحيح، وإنه في تلك الليْلة لم يذكُر لزوجته شيْئاً من ذلك، ولم يُلاحِظْ أحدٌ مدى انزعاجه في اليوْم التالي.
وكان من الذوْقِ أن يشكُرَ صاحبة البيْت على الضيافة والكَرَمِ والحفاوة والنوْم العميق، وفي الليْل قرَّرَ أن يأوي إلى فراشه مُبكِّراً دونَ أن يشرب، وأخذَ معه أحدَ الكُتُب، وأقفلَ البابَ بعنايةٍ ثم راحَ ينظرُ إلى النافذة المُقفَلة، وفجأة رأى الفتاةَ ذاتَ الثوْبِ الفِضي وسارع إليها، وكانت يده أسبق منه ولكن الفتاة كانت أسرع في الاختفاء، واستبدَّ به الخوْفُ لدرجة أنه كان يصرُخُ ويبكي ويشد شعره، ثم ألقى بنفسه على السرير، وكأنه سقطَ على المسرحِ في مسرحيّةٍ مُفجِعة، وجاءت الزوْجة بالصُدفة لتعرفَ أن الزوْجَ يشكو من مغصٍ شديد، وقدَّمت إليه بعضَ الخمر، فشربَ وشربَ ثم نام وصحا في حالةٍ جيّدة، ولم يقُل حرفاً ممّا رأى، وشكرَ صاحبةَ البيْت على حُسنِ الضيافة، وعادَ إلى لندن!
وبعدَ أسبوعٍ من فِرار تشارلز كين بعيداً عن القصر العتيق فوجئَ بصاحبة البيْت في لندن وسألها، واعتذرت له السيّدة بأنها مريضة وأنها ترى ضرورة أن تعرِضَ نفسَها على طبيب خُصوصاً أن الروماتيزم قد عاودها من جديد، بل إنها تُفكِّرُ في أن تنتقلَ إلى بيْتٍ آخر، خُصوصاً أن واحداً من أطفالِها قد سقطَ من السُلَّم، وأن أصغرَ أطفالِها قد كُسِرت ساقُه تحتَ ضغط أحد أبوابِ البلّوط العتيقة.
إذن فلديْها أسباباً معقولة لأن تتركَ البيْتَ العتيق، وأدركَ تشارلز كين أن الأمرَ ليس كذلك، فاقتربَ منها ليقولَ لها بحركةٍ مسرحيّة:
أليسَ السبب هو صاحبة الفُستان الفِضي التي تدخُلُ غُرفةَ ..النوْمِ دونَ أن يدري بها أحد .. لقد رأيتُها بعيْني وحتى لا أُقابلَ كرمَكِ ورِقَّتَكِ بهذا الشيء المُفزِع فإنني قد أطبقتُ شفتي على مرارة.
ولم تكُن السيّدةُ تعرفُ شيئاً من هذا كله، فقد ظَنَّتْ أوّلَ الأمر أن هناك فتاة تدخُل غُرفة النوم، وأن هذه الفتاة هيَ واحدةٌ من الخادمات، أو أن فتاةً تدخُلُ لغرفة زوْجها من النافذة، لم تستطِع من هوْلِ الصدمة أن تُدرِك حقيقةَ ما قاله تشارلز كين، وندمَ هوَ على أنه لم يكن واضحاً، وندمَ أكثر عندما قيل له أنه لا يستطيع أن يكونَ مؤلِّفاً، وإنما يجبُ عليه أن يبحثَ له عن مُؤلِّفٍ ليروي هذه القصص الغريبة، ولكن السيّدة جاءت لتنامَ في نفس السرير ومعها خادمتان، وفي الليل رأين الفتاة ذات الثوْب الفِضّي!
وفجأة اعترفت كل الخادمات بقصصٍ أعجب من ذلك، بل إن بعضهن حكين عن خطواتٍ تمشي وراءهن، فإذا تلفَّتت الواحدةُ منهن وراءها لم تجد أحداً، ووصفن هذه الخطوات بأنها سريعةٌ مُهدِّدة!
