خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | أقسى احتفال بعام جديد (1)


صاحبة المنزل المسكون تفتح بابه لرجل ليبيت فيه ويظهر في الحديقة تمثال لطفل

أقسى احتفال بعام جديد (1)



لأنه مُمَثِّلٌ عظيم فهو كاذبٌ عظيم، ولذلك فهوَ محرومٌ من مُتعة أن يقولَ الصِدق، والناس هُم السُعداء إذا كذب وإذا صدق لأنه قادرٌ على التعبير الجميل، وهذا هوَ الذي يهم.

ولكن هذه القصة - لأنها صادقة - فهيَ مُثيرةٌ فقط، ولأنه كان يُؤكِّدُ أن الذي رآهُ صحيحٌ تماماً، كان لها طعم الواقع الذي لم يلمسه فنّان، بل إن الفنّان يُقسِمُ بكل مُقدَّسٍ أنه لم يُضِف إليها شيئاً من عنده، لا من تجاربه ولا من ثقافته، فما هو المطلوب من الناس إذن؟، فقط أن يصدِّقوه.

إنه الممثل الإنجليزي الكبير تشارلز كين (١٨٦٨ - ١٨١٢) ابن الممثل

الإنجليزي الأكبر إدموند كين (١٨٣٣ - ١٧٨٧)، كلاهما من علامات المسرح ودليلٌ على عظمته وأثره العميق في حياة الناس، وتشارلز كين قد تزوَّجَ من الممثلة ألان تري (١٨٨٠ - ١٨٠٨) ويكفي أن يجلسَ الواحدُ منهما في أي بيْتٍ أو أي قصرٍ لتتحوَّلَ الحياةُ العامّةُ والخاصّة إلى حيثُ يجلس كين هذا، فإذا كان هو الضيْف فهوَ وحده الذي يقول، وهوَ وحده الذي يطلُبُ إلى الناسِ أن يملأوا الفراغَ الذي يتركه عندما يبتلعُ ريقه أو ينفُثُ سيجارته، فهوَ الأصل والكل فروعٌ وأوْراق.

في تلك الليْلة طلبَ تشارلز كين ألّا يُقاطعَهُ أحد، وكان عصبيّاً، ولم تكُن تلك عادته، وأشارت الزوْجة إلى الحاضرين أن يتركوه يشرب، فهوَ - هذه المرّة- جاد، أي أنه في كل مرة يمثِّلُ فقط، وكان تشارلز يتضايقُ في كل مرّةٍ تقومُ زوْجته بتنبيه الحاضرين إلى أنه لا يُمثِّلُ وإنما هوَ يتحدَّثُ من الواقع، أي من تأليفه وليس من أدائه، وكان الزوْجُ يُضيفُ قائلاً: 

  • كأنه من المفروض ألّا تكونَ للإنسان حياةٌ خاصّة .. أن يكونَ حاملاً لملابسَ غيْره ومُردِّداً لصوْتِ أُناسٍ آخرين!

روى تشارلز كين أنه كان في زيارة أخت زوْجته مسز شابمان، وزوْجها أيضاً يعمل مُديراً لإحدى الفرق المسرحيّة، وكانت هذه السيّدةُ تُقيم هيَ وأولادها الأحد عشر في بيْتٍ قديمٍ في الريف، وكانَ البيْتُ من سبعِ عشرةِ غُرفة، وعندها ثمانيةٌ من الخَدَم وثلاثُ مُربياتٍ للأطفال، وكان من عادة الزوج أن يُسافرَ إلى لندن مرّةً كل أسبوع ثم يعودُ أحياناً بعد أسبوعيْن أو ثلاثة، ولكن يجب أن يكونَ هُناك ضيوف، وأن يحتفي الزوْج بالضيوف في جميع الأحوال، فهوَ رجلٌ كريم وزوْجته تختلفُ عنه قليلاً فهيَ أكثرُ كرماً، ولذلك ففي البيْت الكبير توجدُ حُجُراتٌ مُخصّصةٌ للضيوف، صحيحٌ أن البيتَ ليس من البيوت التي راعى المُهندسون في بنائها توزيع الضوْءِ والهواءِ والماء، ولكن البيْتَ يُطِلُّ على حديقةٍ كبيرة، وفي هذه الحديقة تماثيلُ إذا سقطَ الماءُ عليها أحدثت أصواتاً غريبة، بعضُ الناسِ يقولون إنها تُشبِهُ أصواتَ الطيور إذا ذبحتَها عن طريق الخَنْق، أو أصواتَ الأطفالِ إذا كانوا يبكون وهم يحلُمون.

وفي البيْتِ سلالمُ قديمة وأعمدةٌ خشبيّةٌ لها صوْتٌ معروفٌ في الليالي الدافئة، وأسماء أصحاب هذا البيْت منقوشةٌ بالحروفِ الأولى على الجُدران وعلى الأبواب، إنهم كثيرون فالبيْت عمرُهُ أكثر من مائتيْ سنة.

يقول الممثل الكبير تشارلز كين إنه ذهبَ وزوجته لزيارةٍ إلى شابمان ونزَلَ في الغُرفة المعروفة باسم "غُرفة البلّوط" - لأن أخشابَها من البلّوط، الغرفةُ نظيفةٌ جداً وواسعةٌ جداً، والسريرُ مُريحٌ ويتسع لأكثرِ من ستّةٍ إذا ناموا مُتجاورين ولإثنيْن إذا ناما مُتشاجرين، وليس من الصعب أن تحصلَ على أي شيء، يكفي أن تدُقَّ الجرسَ ليجيء التبغُ والنبيذُ وشمعةٌ أكبر.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX